حاصل في نفس الأمر ، ولكنه غير المقصود بالذات ، فهذا هو الفائدة في اختيار هذه العبارة ( واعلم ) أنه تعالى لما ذكر أولا أحوال الحيوانات التي ينتفع الإنسان بها انتفاعا عاما ضروريا ، وثانيا أحوال الحيوانات التي ينتفع الإنسان بها انتفاعا خاصا ضروريا كما أشرنا آنفا بقي القسم الثالث من الحيوانات التي لا ينتفع الإنسان به في الغالب فذكرها على سبيل الإجمال فقال :
وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ
[ النّحل : الآية 8 ] . وذلك أنه لو اطلع الإنسان على الحيوانات العنكبوتية الآتي شرحها لوجدها قسما يسيرا من أقسام الحيوانات ؛ وذلك لأن أنواعها وأصنافها وأقسامها كثيرة خارجة عن الحد والإحصاء مع أنها قسم يسير ، ولو خاص الإنسان في شرح عجائب المخلوقات ، لكان المذكور بعد كتب المجلدات الكثيرة كالقطرة من البحر ، فكان أحسن الأحوال ذكرها على سبيل الإجمال كما ذكر اللّه تعالى .
( المقالة الأربعون ) في قوله تعالى : جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ
[ الشّورى : الآية 11 ] . أي وخلق من الأنعام أزواجا ، ومعناه وخلق أيضا للأنعام من أنفسها أزواجا
يَذْرَؤُكُمْ
[ الشّورى : الآية 11 ] يكثركم يقال : ذرأ اللّه الخلق أي كثرهم وقوله :
فِيهِ
[ البقرة : الآية 2 ] . أي في هذا التدبير وهو التزويج ، وهو أن جعل الناس والأنعام أزواجا حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل ، والضمير في يذرؤكم يرجع إلى المخاطبين إلا أنه غلب فيه جانب الناس من وجهين : ( الأول ) : أنه غالب فيه جانب العقلاء على غير العقلاء . ( الثاني ) : أنه غلب فيه جانب المخاطبين على الغائبين فإن قيل : ما معنى يذرؤكم في هذا التدبير ، ولم يقل يذرؤكم به ؟ قلنا : جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن لهذا التكثير ؛ لأنه يقال للحيوان في خلق الأزواج تكثير كما قال تعالى :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
[ البقرة : الآية 179 ] .
وقوله تعالى :
وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ ( 12 ) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ .
[ قوله : خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها
وهاهنا سؤالان ]
( اعلم ) أن قوله :
خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها
[ يس : الآية 36 ] . قد تقدم الكلام في تفسيره ، وأما قوله :
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ
[ الزّخرف : الآية 12 ] . فذلك لأن السفر ، إما سفر البحر أو سفر البر ، أما سفر البحر فالحامل هو السفينة وآلام سفر البر فالحامل هو الأنعام ( وهاهنا سؤالان ) :
[ الأول : لم يقل على ظهورها ؟ ]
الأول : لم يقل على ظهورها ؟ وأجابوا عنه من وجوه : ( الأول ) : قال أبو عبيدة : التذكير بقوله :
لَكُمْ
[ الزّخرف : الآية 12 ] والتقدير ما تركبونه . ( الثاني ) . قال الفراء : أضاف الظهور إلى واحد فيه معنى الجمع بمنزلة الجيش