جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ، وعن ابن عباس : هم الشهداء إذ هم أحياء عند ربهم
شرح
فكأنه قال هنا : ففزع من في السماوات ومن في الأرض حتى مات بالفزع ، فساوى قوله : فصعق ، وغرضه من هذا التأويل الجري على المشهور من أن النفخ مرتان : نفخة الموت وهي هذه ، ونفخة البعث الآتية في قوله تعالى :ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ[ الزمر : 68 ] وقيل : إنه ثلاث مرات نفخة الفزع من غير موت التي تكون قبل نفخة الصعق ، فيسير اللّه عندها الجبال تمر مرّ السحاب فتكون سرابا ثم ترتج الأرض بأهلها ، ونفخة الموت ، ونفخة الإحياء اه شيخنا .
وفي القرطبي : والصحيح في الصور أنه قرن من نور ينفخ فيه إسرافيل ، وقال مجاهد : كهيئة البوق ، وقيل : هو البوق بلغة اليمن ، وقد مضى في الانعام بيانه وما للعلماء في ذلك ففزع من في السماوات ومن الأرض إلا من شاء اللّه . قال أبو هريرة : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه لما فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر بالنفخة » ، قلت : يا رسول اللّه ما الصور ؟ قال : « قرن واللّه عظيم ، والذي بعثني بالحق إن عظم داره فيه كعرض السماء والأرض ، فينفخ فيه ثلاث نفخات النفخة الأولى نفخة الفزع ، والثانية نفخة الصعق ، والثالثة نفخة البعث والقيام لرب العالمين » وذكر الحديث . ذكره علي بن معبد ، والطبري ، والثعلبي وغيرهم ، وصححه ابن العربي وقد ذكرناه في كتاب التذكرة وتكلمنا عليه هناك ، وأن الصحيح أن النفخ في الصور نفختان لا ثلاث ، وأن نفخة الفزع إما أن تكون راجعة إلى نفخة الصعق لأن الأمرين لا زمان لها أي فزعوا فزعا ماتوا منه ، أو إلى نفخة البعث وهو اختيار القشيري وغيره ، فإنه قال في كلامه على هذه الآية : والمراد النفخة الثانية أي : يحيون فزعين يقولون من بعثنا من مرقدنا ، ويعاينون من الأمر ما يهولهم ويفزعهم ليجتمع الخلق في أرض الجزاء ، وقال الماوردي : ويوم ينفخ في الصور هو يوم النشور من القبور . قال : وفي هذا الفزع قولان ، أحدهما : أنه الإسراع والإجابة إلى النداء من قولهم : فزعت إليك في كذا أسرعت إلى ندائك في معونتك . القول الثاني : أن الفزع هنا هو الفزع المعهود من الخوف والحذر لأنهم أزعجوا من قبورهم ففزعوا وخافوا وهذا أشبه القولين . قلت :
والسنة الثابتة من حديث أبي هريرة ، وحديث عبد اللّه بن عمر تدل على أنهما نفختان لا ثلاث خرجهما مسلم ، وقد ذكرناهما في كتاب التذكرة ، وهو الصحيح إن شاء اللّه تعالى أنهما نفختان قال اللّه تعالى :وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ[ الزمر : 68 ] فاستثنى هنا كما استثنى في نفخة الفزع ، فدل على أنهما واحدة . وقد روى ابن المبارك عن الحسن قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « بين النفختين أربعون سنة . الأولى يميت اللّه بها كل حي والأخرى يحيى اللّه بها كل ميت » اه .
قوله : ( أي جبريل الخ ) أي : فهؤلاء الأربعة لا يموتون عند النفخة الأولى كما أن باقي الملائكة تموت عندها ، بل يموتون بين النفختين ويحيون قبل الثانية اه شيخنا .
قوله : ( وعن ابن عباس هم الشهداء ) وقيل : هم حملة العرش ، وقيل : موسى عليه السّلام ، وقيل : أهل الجنة من الحور والولدان وأهل النار من الخزنة والزبانية ، ولعل المراد ما يعم ذلك لعدم قرينة الخصوص اه من البيضاوي .