تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
في الضراء فقط ، فإذا كشف عنه نسي ما كان يدعو إليه من قبل ، وحذفه لدلالة ما قبله عليه . ومن قرأ بالتشديد ، ف « أم » إما متصلة ، حذف مقابلها ، أي : أنت خير حالا ومآلا أم من هو قائم بوظائف العبادات ، أو : منقطعة ، والإضراب للانتقال من التهديد إلى التبكيت بالجواب الملجئ إلى الاعتراف بما بينهما ، كأنه قيل : أم من هو قانت أفضل ، أم من هو كافر مثلك ؟ . حال كون القانت
ساجِداً وَقائِماً
أي : جامعا بين الوصفين المحمودين . وتقديم السجود على القيام ؛ لكونه أدخل في معنى العبادة .
يَحْذَرُ الْآخِرَةَ
أي : عذاب الآخرة ، حال أخرى ، أو : استئناف ، جواب عما نشأ من حكاية حاله من القنوت والسجود ، كأنه قيل : فما باله يفعل ذلك ؟ فيقل : يحذر الآخرة ،
وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ
أي : الجنة ، فينجو بذلك مما يحذره ، ويفوز بما يرجوه ، كما ينبئ عنه التعرض لعنوان الرّبوبية ، المنبئة عن التبليغ إلى الكمال ، مع الإضافة إلى ضمير الرّاجى . ودلت الآية على أن المؤمن يجب أن يكون بين الخوف والرّجاء ، يرجو رحمته ، لا عمله ، ويحذر عقابه ؛ لتقصيره في عمله ، ثم الرّجاء إذا جاوز حدّه يكون أمنا . والخوف إذا جاوز حدّه يكون إياسا ، وقد قال تعالى :
فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
« 1 » ، و
لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ
« 2 » ، فيجب ألا يجاوز أحدهما حدّه ؛ بل يكون كالطائر بين جناحيه ، إلا في حالة المرض ، فيغلب الرّجاء ، ليحسن ظنه باللّه . ومذهب محققي الصوفية : تغليب الرّجاء مطلقا ، لهم ولعباد اللّه ؛ لغلبة حسن ظنهم بربهم . والآية ، قيل : نزلت في عثمان رضي اللّه عنه كان يحيى الليل ، وقيل : في عمار وأبى حذيفة « 3 » ، وهي عامة لمن سواهم .
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ
حقائق الأحوال ، فيعلمون بموجب علمهم ، كالقانت المذكور ،
وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
شيئا ؛ فيعلمون بمقتضى جهلهم ، كدأب الكافر المتقدم . والاستفهام للتنبيه على أن يكون الأولين في أعلى معارج الخير ، وكون الآخرين في أقصى مدارج الشر من الظهور ، بحيث لا يكاد يخفى على أحد . قال النّسفى : أي : يعلمون ويعملون به ، كأنه جعل من لا يعمل غير عالم ، وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون - أي : يدخرون - العلوم ، ثم لا يقنتون ، ويتفننون فيها ، ثم يفتنون بالدنيا ، فهم عند اللّه جهلة ، حيث جعل القانتين هم العلماء . أو : يريد به التشبيه ، أي : كما لا يستوى العالم والجاهل ، كذلك لا يستوى المطيع والعاصي . ه .
هامش
( 1 ) من الآية 99 من سورة الأعراف . ( 2 ) من الآية 87 من سورة يوسف . ( 3 ) انظر الدر المنثور ( 5 / 605 ) وتفسير البغوي ( 7 / 11 ) وأسباب النّزول للواحدي ( ص 382 ) .