شريكة للّه في استحقاق العبادة والمحبة ، تلك إذا قسمة ضيزى جائرة ، ما هي إلا أسماء ليس تحتها طائل ، تفنى ويبقى عليها العذاب والعتاب ، سميتموها واعتنيتم بشأنها والانكباب عليها ، أنتم وآباؤكم ، ما أنزل اللّه بمتابعتها والحرص على تحصيلها من سلطان ولا برهان ، إن يتبعون في اتباعها والحرص عليها إلا الظن ، ظنوا أنها حيث كانت مباحة في ظاهر الشرع لا تضر القلب ولا تحجبه عن شهود الرّب ، وهو رأى فاسد ؛ إذ ليس للقلب إلا وجهة واحدة ، إن توجه لطلب الحظوظ أعرض عن اللّه قطعا ، وإن توجه للّه أعرض عما سواه ، وراجع ما تقدم في قوله :
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ
الآية « 1 » . ويتبعون أيضا ما تهوى الأنفس الأمّارة ؛ لأنها لا تهوى إلا ما فيه حظها وهواها ، ولقد جاءهم من ربهم الهدى ، أي : من يهدى إلى طريق السلوك ، بقطع العلائق النّفسانية والقلبية ، وهم خلفاء الرّسول عليه السّلام ، الدعوان إلى اللّه ، من شيوخ التربية في كلّ زمان ، أم للإنسان ما تمنى ، ليس له ما يتمنى إلا بسابق العناية ، فلا يدرك العبد من الدنيا والآخرة ، ومن اللّه تعالى ، إلا ما سبق به القدر ، كما قال الشاعر :
ما كلّ ما يتمنى المرء يدركه * تجرى الرّياح بما لا تشتهى السفن
فللّه الآخرة والأولى ، قال القشيري : يشير إلى قهرمانية الحق تعالى على العالم كله ، ملكه وملكوته ، الأخروى والدنيوي ، فلا يملك الإنسان من أمر الدارين شيئا ، بل ملك الآخرة تحت تصرف يده اليمنى ، المقتضية لموجبات حصول الآخرة من الأعمال الصالحة والأفعال الحسنة ، يهبه باسمه الواهب لمن شاء أن يكون مظهرا للطفه وجماله ، وملك الدنيا تحت تصرف يده اليسرى ، المقتضية لأسباب حصول الدنيا ، من حب الدنيا الدنية ، المنتجة للخطيئة ومتابعة النّفس الخبيثة ، وموافقة الطبيعة اللئيمة ، باسمه المقسط ، لمن شاء أن يكون مظهر قهره وجلاله ، وليس ذلك يزيد في ملكه ، ولا هذا ينقص من ملكه ، وكلتا يديه ملأى سحّاء ، أي : فياضة . ه .
ثم نفى الشفاعة عمّن يستحقها من الملائكة الكرام ، فضلا عمن لا يستحقها من الأصنام اللئام ، فقال :
[ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 26 إلى 30 ]
وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى ( 26 ) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى ( 27 ) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ( 28 ) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 29 ) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى ( 30 )
هامش
( 1 ) الآية 20 من سورة الأحقاف .