تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
وروى في هذا حديث ، وهو أنه - عليه الصلاة والسّلام - قال له ربه - عز وجل - في النّوم : « أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت : لا ، قال : اختصموا في الكفارات والدرجات ، فأما الكفارات فإسباغ الوضوء على المكاره ، ونقل الأقدام إلى الجماعات ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، وأما الدرجات ؛ فإفشاء السّلام ، وإطعام الطعام ، والصلاة بالليل والنّاس نيام » « 1 » . رواه الترمذي . و « إذ يختصمون » : متعلق بمحذوف يقتضيه المقام ؛ إذ المراد نفى علمه - عليه الصلاة والسّلام - بحالهم لا بذواتهم ، والتقدير : ما كان لي فيما سبق علم بما يوحيه في شأن الملأ الأعلى وقت اختصامهم . وانظر أبا السعود .
إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ
أي : ما يوحى إلىّ ما يوحى من الأمور الغيبية ، التي من جملتها حال الملأ الأعلى ، إلا لأنما أنا نذير مبين من جهته تعالى ، فحذف اللام وانتصب بإيصال الفعل إليه ، ويجوز أن يرتفع بالنيابة عن الفاعل ، أي : ما يوحى إلىّ إلا هذا ، وهو أن أنذر وأبلّغ ، ولا أفرط في ذلك ، أي : ما أومر إلا بهذا الأمر وحده ، وليس إلىّ غير ذلك . وقرىء بكسر « إنما » « 2 » على الحكاية ، أي : إلا هذا القول ، وهو : أن أقول لكم : إنما أنا نذير مبين ، ولا ادّعى شيئا آخر . الإشارة : تربية اليقين تطلب في ثلاثة أمور ؛ في توحيد الألوهية ، بالتبري من الشرك الجلّى والخفي . وهو مفاد قوله :
وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ . . .
إلخ . وفي تصديق الواسطة ، وهو النّذير المبين ، بتعظيمه واتباع سنته ومنهاجه القويم ، وفي التصديق بما جاء به ، وهو النّبأ العظيم ، على أىّ تفسير كان ، إما القرآن ، باتباعه ، والتدبر في معانيه ، أو : يوم القيامة ، بالتأهب له ، وجعله نصب العين . وباللّه التوفيق . ثم فسّر الاختصام المتقدم ، فقال :

[ سورة ص ( 38 ) : الآيات 71 إلى 85 ]

إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ( 71 ) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ( 72 ) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ( 73 ) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 74 ) قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ( 75 ) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( 76 ) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ( 77 ) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ ( 78 ) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 79 ) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 80 ) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ( 81 ) قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 82 ) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 83 ) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ( 84 ) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ( 85 )
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في ( التفسير - سورة « ص » ح 3234 و 3235 ) من حديث ابن عباس ، ومعاذ بن جبل - رضي اللّه عنهما . وقال عن حديث ابن عباس : حسن غريب . وعن حديث معاذ : حسن صحيح . ( 2 ) وهي قراءة أبى جعفر المدني . انظر الإتحاف ( 2 / 424 ) .