تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
وقال الطيبي : هذه الجمل كلها واردة على التعليل المتداخل ؛ فكأنه لما قيل :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
قيل : فلم أنزل ؟ فأجيب : لأن من شأننا التحذير والعقاب ، فقيل : لم خص الإنزال في هذه الليلة ؟ فقيل : لأنه من الأمور المحكمة ، ومن شأن هذه الليلة أن يفرق فيها كلّ أمر حكيم ، فقيل : لم كان من الأمور المحكمة ؟ فأجيب : لأن ذا الجلال والإكرام أراد إرسال الرّحمة للعالمين ، ومن حق المنزل عليه أن يكون حكيما ، لكونه للعالمين نذيرا ، أو
داعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ . . . .
الآية ، فقيل : لما ذا رحمهم الرّب بذلك ؟ فأجيب : لأنه وحده سميع عليم ، يعلم جريان أحوال عباده ، ويعلم ما يحتاجون إليه دنيا وأخرى . ه . وهذا معنى قوله :
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
لأقوالهم وحده ،
الْعَلِيمُ
بأحوالهم .
رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما
، من جرّه « 1 » بدل من « ربك » ، ومن رفعه خبر عن مضمر ، أي : هو رب العوالم العلوية والسفلية ، وما بينها ،
إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
أي : من أهل الإيقان ، ومعنى الشرط : أنهم كانوا يقرون بأن للسموات والأرض ربا وخالقا ، فإن كان إقرارهم عن علم وإيقان فهو الذي أنزل الكتاب وأرسل الرّسل رحمة منه ، وإن كانوا مذبذبين فليعلموا ذلك .
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
، من قصر إفراد لا قصر قلب « 2 » ؛ لأن المشركين كانوا يثبتون الألوهية للّه - تعالى - ويشركون معه غيره ، فردّ اللّه عليهم بكونه لا يستحق العبادة غيره ،
يُحْيِي وَيُمِيتُ
، ثم يبعث للجزاء ،
رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
أي : هو رب الجميع ، ثم ردّ أن يكونوا موقنين بقوله :
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ
، وإقرارهم غير صادر عن علم وإيقان ، بل قول مخلوط بهزؤ ولعب . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : ( حم ) ، قال الورتجبي : الحاء : الوحي الخاص إلى محمد ، والميم : محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وذلك الوحي الخاص بلا واسطة خبر عن سر في سر ، لا يطلع على ذلك - الذي بين المحب والمحبوب - أحد من خلق اللّه ، ألا ترى كيف قال سبحانه :
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
« 3 » ؟ وذلك إشارة إلى وحي السر في السر ، وجملتها قسم ، أي : بمعنى الوحي السرى والمحبوب ، والقرآن الظاهر الذي ينبئ عن الأسرار ، إنا أنزلناه . ه . قال القشيري : الحاء تشير إلى حقّه ، والميم إلى محبته ، ومعناه : بحقي ومحبتي لعبادي ، وكتابي العزيز إليهم ، ألا أعذّب أهل محبتي بفرقتى . ه .
هامش
( 1 ) قرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف « رب » بخفض الباء ، بدل من ( ربك ) أو صفة ، وقرأ الباقون بالرفع ، على إضمار مبتدأ ، أو مبتدأ ، خبره : ( لا إله إلا هو ) . انظر : الإتحاف ( 1 / 462 ) . ( 2 ) القصر عند أهل البيان : تخصيص شئ بآخر ، ويسمّى الأول مقصورا والثاني مقصورا عليه ، كقولك : ما زيد إلا شاعر ، فإن كان المخاطب يعتقد أنه شاعر وعالم معا ، قيل له : قصر إفراد ، وإن كان يعتقد أنه عالم لا شاعر ، قيل له : قصر قلب ، وإن كان يتردد بين كونه عالما أو شاعرا قيل له : قصر تعيين . انظر محيط المحيط ( ص 738 ) . ( 3 ) الآية 10 من سورة النّجم
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 279 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان