تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
وفي رواية : « إنّ في الجنة غرفا يرى ظواهرها من بواطنها ، وبواطنها من ظواهرها ، أعدّها اللّه للمتحابّين في اللّه ، والمتزاورين فيه ، والمتباذلين فيه » « 1 » وفي لفظ آخر : « إنّ في الجنة لعمدا من ياقوت ، عليها غرف من زبرجد ، لها أبواب مفتّحة ؛ تضئ كما يضئ الكوكب الدّرّى ، قلنا : يا رسول اللّه ، من يسكنها ؟ قال : المتحابّون في اللّه والمتباذلون في اللّه ، والمتلاقون في اللّه ، مكتوب على وجوههم : هؤلاء المتحابون في اللّه » « 2 » وفي الأثر أيضا : إذا كان يوم القيامة ، نادى مناد : أين المتحابون في اللّه ؟ فيقوم ناس - وهم يسير - فينطلقون إلى الجنّة سراعا ، فتتلقّاهم الملائكة : فيقولون : رأيناكم سراعا إلى الجنة ، فمن أنتم ؟ فيقولون : نحن المتحابّون في اللّه ؛ فيقولون : وما كان تحابّكم ؟ فيقولون : كنّا نتحابّ في اللّه ؛ ونتزاور في اللّه ، ونتعاطف في اللّه ، ونتباذل في اللّه ، فيقال لهم : ادخلوا الجنة ، فنعم أجر العاملين . ه . من البدور السافرة . والتباذل : المواساة بالبذل . وذكر في الإحياء شروط المتحابين في اللّه ، فقال رضي اللّه عنه : اعلم أن عقد الأخوة رابطة بين الشخصين ، كعقد النكاح بين الزوجين ، ثم قال : فلأخيك عليك حق في المال ، وفي النّفس ، وفي اللسان ، وفي القلب . وبالعفو ، وبالدعاء ، وذلك تجمعه ثمانية حقوق : الحق الأول : في المال بالمواساة ، وذلك على ثلاثة مراتب ؛ أدناها : أن تنزله منزلة عبدك وخادمك ، فتقوم بحاجاته بفضلة مالك ، فإذا سنحت له حاجة ، وعندك فضلة أعطيته ابتداء ، فإذا أحوجته إلى سؤال فهو غاية التقصير . الثانية : أن تنزله منزلة نفسك ، وترضى بمشاركته إياك في مالك ، فتسمح له في مشاركته . الثالثة - وهي العليا - : أن تؤثره على نفسك ، وتقدم حاجته على حاجتك ، وهي رتبة الصدّيقين ، ومنتهى درجات المتحابين . الحق الثاني : الإعانة بالنفس في قضاء الحاجات ، والقيام بها قبل السؤال ، وهذا أيضا لها درجات كالمواساة ، فأدناها : القيام بالحاجة عند السؤال ، ولكن مع البشاشة والاستبشار ، وإظهار الفرح . وأوسطها : أن تجعل حاجته كحاجتك ، فتكون متفقدا لحاجته ، غير غافل عن أحواله ، كما لا تغفل عن أحوال نفسك ، وتغنيه عن السؤال . وأعلاها : أن تؤثره على نفسك ، وتقدم حاجته على حاجتك ، وتؤثره على نفسك ، وأقاربك ، وأولادك . كان الحسن يقول : إخواننا أحبّ إلينا من أهلينا وأولادنا ؛ لأن أهلينا يذكروننا الدنيا ، وإخواننا يذكروننا الآخرة .
هامش
( 1 ) رواه الطبراني في الأوسط ( ح 2903 ) ، عن بريدة . قال الهيثمي في المجمع ( 10 / 278 ) : « وفيه إسماعيل بن سيف ، وهو ضعيف » . ( 2 ) رواه البزار ( كشف الأستار ، ح 3592 ) عن أبي هريرة رضي اللّه عنه .