تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
من ذهب ، ليس فيها صحفة إلا وفيها لون ليس في الأخرى مثله ، شهوته في آخرها كشهوته في أولها ، ولو نزل به جميع أهل الدنيا لوسع عليهم مما أعطى ، ولا ينقص ذلك مما أوتى شيئا » « 1 » . ويجمع بينهما بتعدد أهل هذه المنزلة ، وتفاوتهم .
وَفِيها
أي : في الجنة
ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ
من فنون الملاذ . ومن قرأ بحذف الهاء ؛ فلطول الموصول بالفعل والفاعل .
وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ
أي : تستلذه ، وتقر بمشاهدته ، وهذا حصر لأنواع النّعيم ؛ لأنها إما مشتهيات في القلوب ، أو : مستلذات في العيون ، ففي الجنة كلّ ما يشتهى العبد من الملابس والمناكح والمراكب . روى أن رجلا قال : يا رسول اللّه ، إني أحبّ الخيل ، فهل في الجنة خيل ؟ فقال : « إن يدخلك اللّه الجنة فلا تشاء أن تركب فرسا من ياقوتة حمراء ، يطير بك في الجنة حيث شئت ، إلا فعلت ، قال أعرابي : يا رسول اللّه ، إني أحبّ الإبل ، فهل في الجنة إبل ؟ فقال : يا أعرابي ، إن يدخلك اللّه الجنة ففيها ما اشتهت نفسك ولذت عيناك » « 2 » . ه . وقال أبو طيبة السلمى : إن الشرذمة من أهل الجنة لتظلهم سحابة ، فتقول : ما أمطركم ؟ فما يدعو داع من القوم بشئ إلا أمطرته ، حتى إن الرّجل منهم يقول : أمطر علينا كواعب أترابا . وقال أبو أمامة : إن الرّجل من أهل الجنة ليشتهى الطائر وهو يطير ، فيقع نضيجا في كفه كما أراد ، فيأ كل منه حتى تشهى نفسه ، ثم يطير كما كان أول مرة ، ويشتهى الشراب ، فيقع الإبريق في يده ، فيشرب منه ما يريد ، ثم يرفع الإبريق إلى مكانه . ه . من الثعلبي . قال القشيري : وفيها ما تشتهيه الأنفس للعباد ؛ لأنهم [ قاسوا ] « 3 » في الدنيا - بحكم المجاهدات - الجوع والعطش ، وتحملوا وجوه المشاقّ ، فيجزون في الجنة وجوها من الثواب ، وأما أهل المعرفة والمحبّون فلهم ما تلذّ أعينهم من النظر إلى اللّه ، لطول ما قاسوه من فرط الاشتياق بقلوبهم ، وما عالجوه من احتراقهم فيه لشدة غليلهم . ه . والحاصل : أن ما تشتهى الأنفس يرجع لنعيم الأشباح ، وتلذ الأعين لنعيم الأرواح من النّظر ، والقرب ، والمناجاة والمكالمة ، والرّضوان الأكبر ، منحنا اللّه من ذلك الحظ الأوفر .
وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ
إتمام للنعمة ، وكمال للسرور ؛ فإن كلّ نعيم له زواله مكدر بخوف زواله لا محالة .
وَتِلْكَ الْجَنَّةُ
؛ مبتدأ وخبر ، و
الَّتِي أُورِثْتُمُوها
: صفة الجنة ، أو : « الجنة » صفة المبتدأ ، الذي هو الإشارة ، و « التي أورثتموها » : خبره . أو : « التي أورثتموها » صفة المبتدأ ، و
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
: خبر ، أي : حاصلة ، أو كائنة
هامش
( 1 ) عزاه السيوطي في الدر المنثور ( 5 / 732 ) لعبد بن حميد ، عن عكرمة ، يرفعه . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند ( 5 / 352 ) والترمذي في ( صفة الجنة ، باب ما جاء في صفة خيل الجنة 4 / 885 / ح 2543 ) والبغوي في التفسير ( 7 / 222 ) عن عبد الرّحمن بن سابط مرسلا . وقال الهيثمي ( 10 / 413 ) : رواه الطبراني ورجاله ثقات . ( 3 ) في الأصول : [ قاموا ] وما أثبته هو الذي في القشيري .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 264 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان