تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
المدح ، ثم ذكر العفو في معرض المدح ، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا للآخر ، واحتمل أن يكون ذلك راجعا إلى حالين ، أحدهما : أن يكون الباغي معلنا بالفجور وقحا في الجمهور ، ومؤذيا للصغير والكبير ، فيكون الانتقام منه أفضل ، وفي مثله قال إبراهيم النّخعى : يكره للمؤمنين أن يذلّوا أنفسهم ، فيجترئ عليهم الفسّاق . وإما أن تكون الفلتة ، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة ، ويسأل المغفرة ، فالعفو هاهنا أفضل ، وفي مثله نزل :
وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
« 1 » ،
وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا
الآية « 2 » . ه . ثم بيّن حدّ الانتصار ، فقال :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
، فالأولى سيئة حقيقة ، والثانية مجازا للمشاكلة ، وفي تسميتها سيئة نكتة ، وهي الإشارة إلى أن العفو أولى ، والأخذ بالقصاص سيئة بالنسبة إلى العفو ، ولذلك عقبه بقوله :
فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ
بينه وبين خصمه بالتجاوز والإغضاء
فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
، وهي عدة مبهمة لا يقادر قدرها ،
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
الذين يبدؤون بالظلم ، أو : يتجاوزون حدّ الانتصار . وفي الحديث : « ينادى مناد يوم القيامة : من كان له أجر على اللّه فليقم ، فلا يقوم إلا من عفا » « 3 » .
وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ
أي : أخذ حقه بعد ما ظلم - على إضافة المصدر إلى المفعول -
فَأُولئِكَ
جمع الإشارة مراعاة لمعنى « من »
ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ
للمعاقب ولا للمعاتب
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ
؛ يبتدئونهم بالظلم ،
وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ
؛ يتكبرون فيها ، ويعلون ، ويفسدون
بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
بسبب بغيهم وظلمهم . وفسّر السبيل بالتبعة والحجة .
وَلَمَنْ صَبَرَ
على الظلم والأذى ،
وَغَفَرَ
ولم ينتصر ، أو : ولمن صبر على البلاء من غير شكوى ، وغفر بالتجاوز عن الخصم ، ولا يبقى لنفسه عليه دعوى ، بل يبرى خصمه من جهته من كلّ دعوى في الدنيا والعقبى ،
إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
أي : إن ذلك الصبر والغفران منه لمن عزم الأمور ، أي : من الأمور التي ندب إليها ، وعزم على فعلها ، أو : مما ينبغي للعاقل أن يوجبه على نفسه ، ولا يترخّص في تركه . وحذف الرّاجع - أي : منه - كما حذف في قولهم : السمن منوان بدرهم . وقال أبو سعيد القرشي : الصبر على المكاره من علامات الانتباه ، فمن صبر على مكروه أصابه ، ولم يجزع ، أورثه اللّه تعالى حال الرّضا ، وهو أصل الأحوال ؛ ومن جزع من المصيبات ، وشكى ، وكله إلى نفسه ، ثم لم تنفعه شكواه . ه . وانظر تحصيل الآية في الإشارة ، إن شاء اللّه . قال ابن جزى : ويظهر لي أن هذه الآية إشارة إلى ذكر الخلفاء الرّاشدين - رضي اللّه عنهم - لأنه بدأ أولا بصفات أبى بكر الصدّيق ، ثم صفات عمر ، ثم صفات عثمان ، ثم صفات علىّ بن أبي طالب ، فأما صفات
هامش
( 1 ) من الآية 277 من سورة البقرة . ( 2 ) من الآية 22 من سورة النّور . ( 3 ) عزاه في اتحاف السادة المتقين 7 / 561 لابن عساكر في التاريخ ، من حديث علىّ رضي اللّه عنه .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 224 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان