تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
يقول الحق جل جلاله :
فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ
مما ترجون وتتنافسون فيه
فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا
أي : فهو متاعها ، تتمتعون به مدة حياتكم ، ثم يفنى ،
وَما عِنْدَ اللَّهِ
من ثواب الآخرة
خَيْرٌ
ذاتا ؛ لخلوص نفعه ،
وَأَبْقى
زمانا ؛ لدوام بقائه .
لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
، و « ما » الأولى ضمّنت معنى الشرط ، فدخلت في جوابها الفاء ، بخلاف الثانية . وعن علىّ رضي اللّه عنه : أن أبا بكر - رضي اللّه عنه - تصدّق بماله كله ، فلامه النّاس ، فنزلت الآية . ثم قال تعالى :
وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ
أي : الكبائر من هذا الجنس . وقرأ الأخوان : ( كبير الإثم ) . قال ابن عباس : هو الشرك ،
وَ
يجتنبون
الْفَواحِشَ
وهي ما عظم قبحها ، كالزنى ونحوه ،
وَإِذا ما غَضِبُوا
من أمر دنياهم
هُمْ يَغْفِرُونَ
أي : هم الأخصّاء بالغفران في حال الغضب ، فيحلمون ، ويتجاوزون . وفي الحديث : « من كظم غيظه في الدنيا ردّ اللّه عنه غضبه يوم القيامة » « 1 » .
وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ
؛ أتقنوا الصلوات الخمس ،
وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ
أي : ذو شورى ، يعنى : لا ينفردون برأيهم حتى يجتمعون عليه . وعن الحسن : ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمورهم . والشورى : مصدر ، كالفتيا ، بمعنى التشاور .
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
؛ يتصدقون .
وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ
؛ الظلم
هُمْ يَنْتَصِرُونَ
؛ ينتقمون ممن ظلمهم ، أي : يقتصرون في الانتصار على ما حدّ لهم ، ولا يعتدون ، وكانوا يكرهون أن يذلّوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفسّاق ، فإذا قدروا عفوا ، وإنما حمدوا على الانتصار ؛ لأن من انتصر ، وأخذ حقه ، ولم يجاوز في ذلك حدّ اللّه ، فلم يسرف في القتل ، إن كان ولىّ دم ، فهو مطيع للّه . وقال ابن العربي : قوله :
وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ . . .
الآية ، ذكر الانتصار في معرض
هامش
( 1 ) أخرج الطبراني في الأوسط ( ح 1320 ) عن أنس رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « من دفع غضبه دفع اللّه عنه عذابه » قال الهيثمي في مجمع الزوائد ( 8 / 70 ) : فيه عبد السّلام بن هلال ، وهو ضعيف » . وأخرج أبو داود في ( الأدب ، باب في كظم الغيظ ح 4777 ) والترمذي وحسّنه في ( البر والصلة ، باب في كظم الغيظ ، ح 2021 ) وابن ماجة في ( الزهد ، باب الحلم ، ح 4186 ) عن معاذ بن أنس الجهني رضي اللّه عنه عن النّبى صلّى اللّه عليه وسلم قال : « من كظم غيظا هو قادر على أن ينفذه ، دعاه اللّه على رؤوس الخلائق يوم القيامة ، حتى يخيره في أىّ الحور شاء » .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 223 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان