تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
يقول الحق جل جلاله :
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ
غمّ ، أو ألم ، أو مكروه
فَبِما
« 1 »
كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
أي : بجناية كسبتموها ، عقوبة لكم . ومن قرأ بالفاء ؛ ف « ما » شرطية . ومن قرأ بغيرها فموصلة . وتعلق بهذه الآية من يقول بالتناسخ ، ومعناه عندهم : أن أرواح المتقدمين حين تموت أشباحها تنتقل إلى أشباح أخر ، فإن كانت صالحة انتقلت إلى جسم صالح ؛ وإن كانت خبيثة انتقلت إلى جسم خبيث ، وهو باطل وكفر . ووجه التعلق : أنه لو لم يكن للأطفال حالة كانوا عليها قبل هذه الحالة لما تألّموا . ويجاب : بأن تألم الأطفال إما زيارة في درجات آبائهم إن عاشوا ، أو في درجاتهم إن ماتوا ؛ لأنهم يلحقون بآبائهم في الدرجة ، ولا عمل لهم إلا هذا التألم . واللّه أعلم . والآية مخصوصة بالمكلّفين بدليل السياق ، وهو قوله :
وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
أي : من الذنوب فلا يعاقب عليها ، أو : عن كثير من النّاس ، فلا يعاجلهم بالعقوبة . وفي الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلم : « واللّه أكرم من أن يثنّى عليكم العقوبة في الآخرة ، وما عفا عنه فاللّه أحلم من أن يعود فيه بعد عفوه » « 2 » وقال ابن عطاء : من لم يعلم أنّ ما وصل إليه من الفتن والمصائب باكتسابه ، وأن ما عفا عنه مولاه أكثر ، كان قليل النّظر في إحسان ربه إليه . وقال محمد بن حامد : العبد ملازم للجنايات في كلّ أوان ، وجناياته في طاعته أكثر من جناياته في معاصيه ؛ لأن جناية المعصية من وجه ، وجناية الطاعة من وجوه ، واللّه يطهّر العبد من جناياته بأنواع من المصائب ليخفّف عنه أثقاله في القيامة ، ولولا عفوه ورحمته لهلك في أول خطوة . وعن علىّ - كرم اللّه وجهه - : هذه أرجى آية للمؤمنين في القرآن ؛ لأنّ الكريم إذا عاقب مرة لا يعاقب ثانيا ، وإذا عفا لا يعود . ه . وقد تقدم حديثا . قال في الحاشية الفاسية : قلت : وإنما يعفو في الدنيا عما يشاء ، ويؤخر عقوبة من شاء إلى الآخرة ، فلا يلزم إبطال وعيد الآخرة . ثم الآية إما خاصة بالحدود ، أو بالمجرم المذنب ، وأما من لا ذنب له فما يصيبه من البلاء اجتباء وتخصيص ، لا تمحيص . ه . قلت : لكلّ مقام ذنب ، حسنات الأبرار سيئات المقربين ، فالتمحيص جار في كلّ مقام ، وراجع ما تقدم عند قوله :
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ . . .
« 3 » وسيأتي عند قوله :
وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ . .
« 4 » ما يبين هذا . واللّه أعلم
هامش
( 1 ) قرأ نافع ، وابن عامر ، وأبو جعفر ( بما ) بغير فاء ، على جعل ( ما ) فيما أَصابَكُمْموصولة ، مبتدأ ، و ( بما كسبت ) خبر ، وعلى جعلها شرطية ، تكون الفاء محذوفة ، نحو قوله تعالى :وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ . . .- الآية 121 من سورة الأنعام . وقرأ الباقون ( فبما كسبت ) . ف ( ما ) شرطية ، أي : فهي بما كسبت ، أو موصولة ، والفاء تدخل في حيز الموصول إذا أجرى مجرى الشرط . انظر : الحجة للفارسي ، ( 6 / 129 ) والإتحاف ( 2 / 450 ) . ( 2 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند ( 1 / 85 ) والحاكم ( 4 / 388 ) وزاد السيوطي عزوه في الدر المنثور ( 5 / 705 ) لابن راهويه ، وابن منيع ، وعبد بن حميد ، والحكيم الترمذي ، وأبى يعلى ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، عن سيدنا علىّ - كرم اللّه وجهه - . ( 3 ) من الآية 117 من سورة التوبة . ( 4 ) من الآية 19 من سورة سيدنا محمد .