تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
وَما تَفَرَّقُوا
أي : أهل الكتاب من بعد أنبيائهم
إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ
؛ إلا بعد أن علموا أن الفرقة ضلال ، وأمر متوعّد عليه على ألسنة الرّسل ،
بَغْياً بَيْنَهُمْ
حسدا ، وطلبا للرئاسة ، والاستطالة بغير حق ، أو : ما تفرقوا في الدين الذي دعوا إليه ، وهو الإسلام ، ولم يؤمنوا كما آمن بعضهم إلا من بعد ما جاءهم العلم بحقيقته ؛ لما يشهدونه في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والقرآن من دلائل الحقيّة ، حسبما وجدوه في كتتبهم ، أو : العلم بمبعثه صلّى اللّه عليه وسلم .
وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ
، وهي العدة بتأخير العقوبة
إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
هو يوم القيامة
لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ
أي : لوقع القضاء بينهم ، وأهلكوا حين افترقوا لعظم ما اقترفوا .
وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ
وهم المشركون
لَفِي شَكٍّ مِنْهُ
أي : القرآن
مُرِيبٍ
؛ موقع في الرّيبة . وهو بيان لكيفية كفر المشركين ، بعد بيان كيفية كفر أهل الكتاب ، أي : وإن المشركين الذين أوتوا القرآن من بعدهم ، أي : من بعد ما أورث أهل الكتاب كتابهم ، لفى شك من القرآن مريب . والظاهر : أن التفرق المذكور هنا إنما هو في شأن الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم ؛ لأن سياق النّظم إنما هو لبيان أحوال هذه الأمة ، وإنما ذكر من ذكر من الأنبياء - عليهم السّلام - لتحقيق أن ما شرع لهؤلاء دين قديم ، أجمع عليه أولئك الأعلام - عليهم الصلاة والسّلام - تأكيدا لوجوب إقامته ، وتشديدا للزجر عن التفرق والاختلاف . فالتعرض لبيان تفرق أممهم عنه ربما يوهم الإخلال بذلك المرام . قاله أبو السعود . الإشارة : الذي شرع اللّه من الدين لأقوياء عباده ، ووصى به خواص أنبيائه : أن يشاهدوه وحده في الباطن ، ويقوموا برسم العبودية في الظاهر ، وهذا هو إقامة الدين ، الذي يجب الاتفاق عليه ، لكن لا ينال هذا إلا بعد موت النفوس ، وحط الرّؤوس ، وبذل الفلوس . ولذلك كبر على أهل الفرق ، قال تعالى :
كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ
، فإذا وفق العبد لفعل ما تقدم ، وسلك طريقه ؛ اجتباه ربه لحضرته ، بعد أن هداه لسلوك طريقته . قال تعالى :
اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ ، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ
فالاجتباء جذب ، والإنابة سلوك ، الاجتباء للحقيقة ، والإنابة للشريعة والطريقة . وقدّم الاجتباء على الاهتداء اهتماما بأمره ؛ لأن الجذب عناية يختص به أهل الولاية ، والإنابة هداية ينالها كلّ من تمسك بالشريعة . وحقيقة الجذب : شهود الخلق بلا خلق ، وحقيقة السلوك المحض : شهود الخلق بلا حق ، وحقيقة الجذب في السلوك : شهود الحق في قوالب الخلق ، أو : شهود الخلق في مظهر الحق . فالناس ثلاثة : مجذوبون فقط ، سالكون فقط ، مجذبون سالكون ، فالأولان لا يصلحان للتربية ، والثالث هو الذي يصلح للتربية ، وهو الذي يتقدمه السلوك ، ثم يختطف إلى الحضرة في مقام الفناء ، ثم يرجع إلى السلوك في مقام البقاء . وما وقع من التفرق والاختلاف في جانب النّبوة ، يقع في جانب الولاية ، سنّه ماضية ، فيجب على الداعي إلى اللّه أن يجهد نفسه في الدعاء إليه ، ولا يبالي باختلافهم ، كما قال تعالى :
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 203 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان