تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
قلت : ( الذين يجادلون ) : بدل من الموصول قبله المجرور ، أو : رفع ، أو : نصب على الذم . يقول الحق جل جلاله :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ
، كرر الحق تعالى الجدال في هذه السورة ثلاث مرات ، فإما أن يكون في ثلاث طوائف : الأول في قوم فرعون ، والثاني في اليهود ، والثالث في المشركين ، وإما للتأكيد ، أي : انظر إلى هؤلاء المكابرين المجادلين في آيات اللّه الواضحة ، الموجبة للإيمان بها ، الزاجرة عن الجدال فيها ،
أَنَّى يُصْرَفُونَ
أي : كيف يصرفون عنها ، مع تعاضد الدواعي إلى الإقبال عليها ، وانتفاء الصوارف عنها بالكلية . وهذا تعجيب من أحوالهم الرّكيكة ، وتمهيد لما يعقبه من بيان تكذيبهم بكلّ القرآن ، أو بسائر الكتب والشرائع ، كما أبانه بقوله :
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ
أي : بالقرآن ، أو : بجنس الكتب السماوية ،
وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا
من سائر الكتب ، أو : لوحى ، أو : الشرائع ،
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
عاقبة ما فعلوا من الجدال والتكذيب ، عند مشاهدتهم لأنواع العقوبات .
إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ
أي : سوف يعلمون حين تكون الأغلال في أعناقهم . و « إذ » : ظرف للماضى ، والمراد به هنا : الاستقبال ؛ لأن الأمور المستقبلة لمّا كانت محققة الوقوع ، مقطوعا بها ، عبّر بما كان ووجد .
وَ
في أعناقهم أيضا
السَّلاسِلُ
. وفي تفسير ابن عرفة : ولا يجوز مثل ذلك في العقوبات الدنيوية ، وقياسه على العقوبات الأخروية خطأ ، وفاعله مخطئ غاية الخطأ ، ولم يذكر الأئمة في اعتقال المحبوس للقتل ؛ إلا أنه يجعل القيد من الحديد في رجله ، خيفة أن يهرب ، وأما عنقه فلا يجعل فيه شئ . ه .
يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ
أي : يجرّون في الماء الحارّ ، وهو استئناف بيانى ، كأن قائلا قال : فما ذا يكون حالهم بعد ذلك ؟ فقال : يسحبون في الحميم ،
ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ
ويحرقون ، من : سجر التنّور : إذا ملأه بالوقود ، والمراد : أنهم يعذبون بأنواع العذاب ، وينقلون من لون إلى لون .
ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا
أي : غابوا ، وهذا قبل أن يقرن بهم آلهتهم ، أو : ضاعوا عنا فلم نجد ما كنا نتوقع منهم ،
بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً
أي : تبيّن لنا أنهم لم يكونوا شيئا . أو : يكون إنكارا منهم ، كقولهم :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
« 1 » . وهذا كله مستقبل عبّر عنه بالماضي
هامش
( 1 ) من الآية 23 من سورة الأنعام .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 152 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان