تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
عليه ، ولكني خصصت بأمر دونكم ، كما قال إبراهيم :
يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ . . .
« 1 » إلخ كلامه ،
وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ
؛ أن أنقاد وأخلص ديني
لِرَبِّ الْعالَمِينَ
.
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ
أي : أصلكم ، وأنتم في ضمنه ،
ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ
أي : ثم خلقكم خلقا تفصيليا من نطفة تمنى ،
ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ، ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا
أي : أطفالا ، واقتصر على الواحدة ؛ لأن المراد الجنس ،
ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ
: متعلق بمحذوف ، أي : ثم يبقيكم لتبلغوا أشدّكم ، وكذلك
ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً
، وقيل : عطف على محذوف ، علة ليخرجكم ، ف « يخرجكم » من عطف علة على أخرى ، كأنه قيل : ثم يخرجكم طفلا لتكبروا شيئا فشيئا ، ثم لتبلغوا كمالكم في القوة والعقل ، ثم لتكونوا شيوخا ، بكسر الشين وضمها « 2 » جمع شيخ ، وقرىء « شيخا » كقوله : « طفلا » .
وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ
عبارة تجرى في الأدراج المذكورة ، فمن النّاس من يموت قبل أن يخرج طفلا ، وآخرون قبل الأشدّ ، وآخرون قبل الشيخوخة .
وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى
أي : وفعل ذلك لتبلغوا أجلا مسمى ، أي : ليبلغ كلّ واحد منكم أجلا مسمى لا يتعداه ، وهو أجل موته ،
وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
؛ ولكي تعقلوا ما في ذلك من العبر ، والحجج ، وفنون الحكم ؛ فإنّ ذلك التدريج البديع يقضى بالقدر السابق ، ونفوذ القدرة القاهرة ؛ لبعد ذلك التفاوت ، والاختلاف العظيم ، عن الطبيعة والعلة ، وإنما موجب ذلك سبق الاختيار والمشيئة الأزلية ، ولذلك عقّبه بقوله :
هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ
دفعا لما قد يتوهم - من كونه لم يذكر الفاعل في قوله :
وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ
- أن ذلك من فساد مزاجه ، أو قتل غيره قبل أجله ، فرفع ذلك الإبهام بقوله :
هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ
لا غيره ، أي : يحيى الأموات ، ويميت الأحياء ، أو : يفعل الإحياء والإماتة ،
فَإِذا قَضى أَمْراً
أي : أراد أمرا من الأمور ،
فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
من غير توقف على شئ من الأشياء أصلا ، وهو تمثيل لتأثير قدرته تعالى في الأشياء عند تعلق إرادته بها ، وتصوير سرعة ترتب المكونات على تكوينه ، من غير أن يكون هناك أمر ولا مأمور . الإشارة : إذا دخل المريد مقام التجريد ، طالبا لأسرار التوحيد والتفريد ، وطلبه العامة بالرجوع للأسباب قبل التمكين ، يقول : ( إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون اللّه . . . ) الآية . والبينات التي جاءته من ربه ، هو اليقين
هامش
( 1 ) الآية 43 من سورة مريم . ( 2 ) ضم شين « شيوخا » نافع ، وأبو عمرو ، وهشام ، وحفص ، وأبو جعفر ، وقرأ الباقون بكسر الشين . انظر الإتحاف ( 2 / 439 ) .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 150 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان