تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
مزّينا بالمصابيح ، وبساطه الأرض ، مشتملة على ما يحتاج إليه أهل البيت .
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ
، هذا بيان لفضله المتعلق بالأجسام ، أي : صوّركم أحسن تصوير ، حيث جعلكم منتصب القامة ، بادي البشرة ، متناسب الأعضاء والتخطيطات ، متهيئا لمناولة الصنائع واكتساب الكمالات . قيل : لم يخلق اللّه حيوانا أحسن صورة من الإنسان .
وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
أي : اللذائذ ،
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ
أي : ذلكم المنعوت بتلك النّعوت الجليلة . هو المستحق للربوبية ،
فَتَبارَكَ اللَّهُ
أي : تعالى بذاته وصفاته
رَبُّ الْعالَمِينَ
أي : مالكهم ومربيهم ، والكل تحت قدرته مفتقر إليه في إيجاده وإمداده ؛ إذ لو انقطع إمداده لا نهدّ الوجود .
هُوَ الْحَيُّ
؛ المنفرد بالحياة الذاتية الحقيقية ،
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
؛ إذ لا موجود يدانيه في ذاته وصفاته وأفعاله ،
فَادْعُوهُ
؛ فاعبدوه
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
أي : الطاعة من الشرك والرّياء ، وقولوا :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
. عن ابن عباس رضي اللّه عنه : من قال « لا إله إلا اللّه » ، فليقل على إثرها : الحمد للّه رب العالمين « 1 » . الإشارة : اللّه هو الذي جعل ليل القبض لتسكنوا فيه عند اللّه ، ونهار البسط لتبصروا نعم اللّه ، فتشكروا لتبتغوا زيادة فضله ، وجعل أرض النّفوس قرارا لقيام وظائف العبودية ، وسماء الأرواح مرقى لشهود عظمة الرّبوبية . قال القشيري : سكون النّاس بالليل - أي : الحسى - على أقسام : فأهل الغفلة يسكنون مع غفلتهم ، وأهل المحبة يسكنون بحكم وصلتهم ، فشتان بين سكون غفلة ، وسكون وصلة ، وقوم يسكنون إلى أمثالهم وأشكالهم ، وقوم إلى حلاوة أعمالهم ، [ وبسطهم ، واستقبالهم ] « 2 » ، وقوم يعدمون القرار في ليلهم ونهارهم - أي : لا يسكنون إلى شئ - أولئك أصحاب الاشتياق ، أبدا في الإحراق ه . وقوله تعالى :
وَصَوَّرَكُمْ
أي : صوّر أشباحكم ، فأحسن صورتها ، حيث بهجها بأنوار معرفته . قال الورتجبي : فأحسن صوركم بأن ألبستكم أنوار جلالي وجمالى ، واتخاذكم بنفسي ، ونفخت من روحي فيكم ، الذي أحسن الهياكل من حسنه ، ومن عكس جماله ، فإنه مرآة نوري الجلى للأشباح . ه . قال القشيري : خلق العرش والكرسي والسماوات والأرض ، وجميع المخلوقات ، ولم يقل في شئ منها : فأحسن صورها ، بل قاله لمّا خلق هذا الإنسان ، وليس الحسن ما يستحسنه النّاس ، ولكن الحسن ما يستحسنه الحبيب ، وأنشدوا :
ما حطّك الواشون عن رتبة * عندي ، ولا ضرّك مغتاب
كأنّهم أثنوا ولم يعلموا * عليك عندي بالّذى عابوا « 3 »
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري ( 24 / 81 ) والحاكم وصححه ( 2 / 438 ) ، والبيهقي في الأسماء والصفات ( 1 / 179 ) عن ابن عباس رضي اللّه عنه موقوفا . ( 2 ) في القشيري : [ لبسطهم واستقلالهم ] . ( 3 ) البيتان لأبى نواس . انظر ديوانه ( 1 / 109 ) ونهاية الأرب ( 2 / 241 ) وينسبان أيضا إلى العباس بن الأحنف ، كما جاء في ديوانه ( ص 61 ) .