تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
ثم قال :
إِنِّي أَخافُ
إن لم أقتله
أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ
أي : يغير ما أنتم عليه من الدين ، وهو عبادتهم له وللأصنام ؛ لتقربهم إليه ،
أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ
أي : ما يفسد دنياكم من التحارب والتهارج إن لم يقدر على تبديل دينكم بالكلية . والحاصل : أنه قال : أخاف أن يفسد عليكم دينكم ، بدعوته إلى دينه ، أو : يفسد عليكم دنياكم بما يظهر من التقاتل والتهارج ، الذي يذهب معه الأمن ، وتتعطل المزارع والمكاسب والمعايش .
وَقالَ مُوسى
لمّا سمع ما أجراه من الحديث في قتله لقومه :
إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ
، صدّر عليه السّلام كلامه بأنّ ؛ تأكيدا له ، وإظهارا لمزية الاعتناء بمضمونه ، وفرط الرّغبة . وخص اسم الرّب المنبئ عن الحفظ والتربية ؛ إذ بهما يقع الحفظ . وفي قوله :
وَرَبِّكُمْ
حث لهم على أن يقتدوا به ، فيعوذوا باللّه عياذته ، ويعتصموا بالتوكّل اعتصامه ، ولم يسمّ فرعون ، بل ذكره بوصف يعمه وغيره من الجبابرة ؛ لتعميم الاستعاذة ، والإشعار بعلة القساوة والجرأة على اللّه تعالى ، وهو التكبر . قال ابن عرفة : أشار إلى أن كفره لم يكن لأجل أن موسى لم يأت بدليل ولا معجزة ، ولم يكن أيضا لخفاء تلك المعجزة ، وعدم ظهورها ، بل كان لجحود التعنت والتكبر ، والإباية عن الانحطاط من سلطنة الملك إلى رتبة الاتّباع . ه . وقال :
لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ
؛ لأنه إذا اجتمع في الرّجل التجبر والتكذيب بالجزاء ، وقلة المبالاة بالعاقبة ، فقد استكمل أسباب القوة والجرأة على اللّه وعباده ، والعياذ باللّه . الإشارة : قال القشيري : كان موسى عليه السّلام أكرم خلقه في وقته ، وكان فرعون أخسّ خلقه في وقته ؛ إذ لم يقل أحد : ما علمت لكم من إله غيرى ، فأرسل أخصّ عباده إلى أخسّ عباده . ثم إن فرعون سعى في قتل موسى ، واستعان على ذلك بخيله ورجله ، ولكن كما قال تعالى :
وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ
، وإذا حفر أحد لولىّ اللّه حفرة ، ما وقع فيها غير حافرها ، كذلك أجرى الحقّ سنّته . ه . ثم ذكر موعظة مؤمن آل فرعون لقومه ، فقال :
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 128 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان