تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ
: بدل من « يوم التلاق » أي : خارجون من قبورهم ، أو : ظاهرون ، لا يستترون بشئ من جبل أو أكمة أو بناء ؛ لكون الأرض يومئذ قاعا صفصفا ، ولا عليهم ثياب ، إنما هم حفاة عراة ، كما في الحديث . أو : بارزة نفوسهم لا يحجبها غواش الأبدان ، أو : بارزة أعمالهم وسرائرهم ،
لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ
من أعمالهم وأحوالهم ، الجلية والخفية ، السابقة واللاحقة ، وهو استئناف لبيان بروزهم ، وإزاحة لما كان يتوهمه المتوهمون في الدنيا من الاستتار توهما باطلا ، فإذا برزوا وحشروا ، نادى الحق - جل جلاله :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ
؟ فلا يجيبه أحد ، ثم يعود ثلاثا ، فيجيب نفسه بنفسه بقوله :
لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
أي : الذي قهر العباد بالموت . روى أن اللّه تعالى يجمع الخلائق في صعيد واحد ، في أرض بيضاء ، كأنها سبيكة فضة ، لم يعص اللّه عليها قط ، فأول ما يتكلم به أن ينادى مناد : لمن الملك اليوم ؟ فيجيب نفسه : « للّه الواحد القهار » . وقيل : المجيب أهل المحشر ، وروى أيضا : أن هذا القول يقوله الحق تعالى عند فناء الخلق وقبل البعث ، ولعله يقال مرتين . قال تعالى :
الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ
من النّفوس البرة والفاجرة ،
بِما كَسَبَتْ
من خير أو شر ، وهذا من تتمة الجواب ، أو : حكاية لما سيقوله تعالى يومئذ عقب السؤال والجواب ،
لا ظُلْمَ الْيَوْمَ
بنقص ثواب أو زيادة عذاب ،
إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
؛ لأنه لا يشغله شأن عن شأن ، فكما أنه يرزقهم دفعة ، يحاسبهم دفعة ، فيحاسب الخلق قاطبة في أقرب زمان ، كما نقل عن ابن عباس : أنه تعالى إذا أخذ في حسابهم لم يقل « 1 » أهل الجنة إلا فيها ، وأهل النّار إلا فيها . ه . قلت : المراد بالحساب : إظهار ما يستحق كل واحد من النّعيم أو العذاب ، وأما ما ورد من طول المكث في المحشر على الكفار والفجار ؛ فإنما ذلك تعذيب بعد فراغ المحاسبة . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : هو الذي يريكم آياته الدالة على توحيده ، وينزل لكم من سماء الغيوب علما ، تتقوت به قلوبكم وأرواحكم ، فتغيبون في مشاهدة المدلول عن الدليل ، وما يتذكّر بهذا ويهتد إليه إلا من ينيب ، ويصحب أهل الإنابة . فادعوا اللّه ، أي : اعبدوه وادعوا إلى عبادته وإخلاص العمل ، ولو كره الجاحدون ، فإنّ اللّه رفيع درجات الداعين إليه مع المقربين ، في مقعد صدق عند ذي العرش المجيد . قال القشيري : يرفع درجات المطيعين بظواهرهم في الجنة ، ودرجات العارفين بقلوبهم في الدنيا ، فيرفع درجتهم عن النّظر إلى الكونين ، والمساكنة إليهما ، وأما المحبون فيرفع درجتهم عن أن يطلبوا في الدنيا والعقبى شيئا غير رضا محبوبهم . ه .
هامش
( 1 ) من القيلولة .