تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
وأما الجدال فيها لحل مشكلاتها ، وكشف حقائقها ، وتوضيح مناهج الحق منها ، وردّ مذاهب أهل الزيغ بها ، فمن أعظم الجهاد في سبيل اللّه . قال الطيبي : وأما اتصال قوله :
ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ . . .
الآية بما قبله ، فهو أنه لمّا قال تعالى :
حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ
من الإله المعبود ، الموصوف بصفات العلم الكامل ، والعز الغالب ، الجامع بين غفران الذنب وقبول التوبة ، المتفرد بالعقاب ، الذي لا يقدّر كنهه ، وبالإفضال الذي لا يبلغ قدره ، قال :
ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ
أي : ما يجادل في مثل هذا الكتاب ، المشتمل على الآيات البينات ، المنزل من مثل ذلك الموصوف بنعوت الكمال ، إلا أمثال هؤلاء الكفرة المغرورين ،
فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ
فإنه استدراج ، فلا يغرر مثلك في منصب الرّسالة تقلب أولئك تقلب الأنعام ، المنعّمين في هذا الحطم . وآيات اللّه : مظهر أقيم مقام المضمر ؛ للتعظيم والتفخيم . ه . والفاء لترتيب النّهى عن الاغترار على ما قبله من التسجيل عليهم بالكفر ، الذي لا شئ أمقت منه عند اللّه ، ولا أجلب لخسران الدنيا والآخرة ، فإنّ من تحقق ذلك لا يكاد يغتر بما لهم من الحظوظ الفانية ، والزخارف الدنيوية ، فإنهم مأخوذون عما قليل ، كما أخذ من قبلهم . ولذلك ذكرهم بقوله :
كَذَّبَتْ . . .
إلخ . الإشارة : « حم » أي : بحلمي ومجدي تجليت في كلامي ، المنزل على حبى ، وهو تنزيل الكتاب من اللّه العزيز ، المعزّ لأوليائه ، العليم بما كان وما يكون منهم ، فلا يمنعه علمه عما سلف من قضائه . غافر الذنب لمن أصرّ واجترم ، وقابل التوب لمن تاب واحتشم ، شديد العقاب لمن جحد وكفر ، ذي الطول لمن توجه ووصل ، ويقال : غافر الذنب للغافلين ، وقابل التّوب للمتوجهين ، شديد العقاب للمنكرين ، ذي الطول للعارفين الواصلين . لا إله إلا هو ، فلا موجود معه ، إليه المصير بالسير في ميادين النّفوس ، حتى يحصل الوصول إلى حضرة القدوس . ما يجادل في آيات اللّه ، وهم أولياء اللّه ، الدالون على اللّه ، إلا أهل الكفر بوجود الخصوصية . قال القشيري : إذا ظهر البرهان ، واتّضح البيان استسلمت الألباب الصاحية للاستجابة والإيمان . وأمّا أهل الكفر فلهم على الجحود إصرار ، وشؤم شركهم يحول بينهم وبين الإنصاف ، وكذلك من لا يحترم أولياء اللّه ، يصّرّون على إنكارهم تخصيص اللّه عباده بالآيات ، ويعترضون عليهم بقلوبهم ، فيجادلون في جحد الكرامات ، وسيفتضحون ، ولكنهم لا يميزون بين رجحانهم ونقصانهم . ه .