تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
قلت : لا يبعد أن تحمل الآية على ظاهرها ، فإن اللّه تعالى يبدل الأرض ويجمعها بأجمعها ، فتكون كخبزة النقي ، ويطوى السماء كطى الكتاب ، حتى يبرز العرش ، كما في الحديث ، ففي حديث البخاري ، عن أبي سعيد الخدري ، قال النّبى صلّى اللّه عليه وسلم : « تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة ، يتكفؤها الجبار بيده ، كما يتكفؤ أحدكم خبزته في السفر ، نزلا لأهل الجنة » « 1 » . وفي حديث أبي هريرة : « إن اللّه يقبض الأرض ، ويطوى السماء بيمينه ، ثم يقول : أنا الملك ، أين ملوك الأرض » « 2 » وقال ابن عمر رأيت النّبى صلّى اللّه عليه وسلم قائما على المنبر ، وهو يحكى عن ربه تعالى ، فقال : « إن اللّه تعالى إذا كان يوم القيامة ، جمع السماوات والأرضين السبع في قبضته ، ثم قال هكذا ، وشد قبضته ، ثم بسطها ، ثم يقول : أنا اللّه ، أنا الرحمن . . » الحديث . وفي لفظ آخر : « يطوى اللّه السماوات يوم القيامة ، ثم يأخذهن بيده اليمنى ، ثم يقول : أنا الملك ، أين الجبارون أين المتكبرون ؟ » « 3 » . وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية : « كل ذلك في يمينه ، وليس في يده الأخرى شئ ، وإنما يستعين بشماله المشغول بيمينه ، وما السماوات السبع ، والأرضون السبع ، في يد اللّه تعالى ، إلا كخردلة في يد أحدكم ، ولهذا قال :
مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
: يعنى السماوات والأرضين كلها بيمينه » « 4 » قلت : من كحل عين بصيرته بإثمد التوحيد الخاص ، لا تصعب عليه هذه الأمور ؛ إذ تجليات الحق لا تنحصر ، فيمكن أن يتجلى من نور جبروته بنور يشا كل الآدمي في الأعضاء كلها ، فيكون له ذات لها يدان وقدمان ، وبه ورد أن اللّه يضع قدمه على النّار ، فتقول : قط قط ، ويكشف عن ساقه لأهل الموقف ، ويتقدمهم للجنة ، إلى غير ذلك مما ورد في الحديث . ولا يلزم من ذلك حصر ولا تجسيم ، إنما هي تجليات للذات الكلية المطلقة ، ولا يفهم هذا إلا أهل الفناء والبقاء من العارفين ، فسلم تسلم .
سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
أي : تنزيها عظيما لمن هذه قدرته وشأنه عما يضاف إليه من الشركاء ، أي : ما أبعد من هذا شأنه عن إشراكهم !
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في ( الرقاق ، باب يقبض اللّه الأرض يوم القيامة ، ح 6519 ) ومسلم في ( صفات المنافقين وأحكامهم ، باب في نزل أهل الجنة ، 4 / 2151 ، ح 2792 ) . وقوله صلّى اللّه عليه وسلم ( يتكفؤها بيده ) أي : يميلها من يد إلى يد حتى تجتمع وتستوى ؛ لأنها ليست منبسطة كالرقاقة ونحوها . ومعنى هذا الحديث : أن اللّه يجعل الأرض كالرغيف العظيم . ( 2 ) أخرجه البخاري في ( تفسير سورة الزمر ، بابوَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ5 / 551 ) ومسلم في ( صفات المنافقين ، باب صفة القيامة والجنة والنّار ، 4 / 2148 ، ح 2787 ) . ( 3 ) أخرجه بنحوه مسلم في ( صفات المنافقين وأحكامهم ، باب : صفة القيامة والجنة والنّار ، 4 / 2148 ، ح 2788 ) من حديث سيدنا عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنه . ( 4 ) ذكره السيوطي في الدر ( 5 / 629 ) مختصرا ، وعزاه لعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، وأبى الشيخ .