تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ
أي : مساجد ، أو مساكن وقصور ، والمحراب : مقدم كل مسجد ومجلس وبيت .
وَتَماثِيلَ
؛ صور الملائكة والأنبياء ، على ما اعتادوا من العبادات ، ليراها الناس ، فيعبدوا نحو عبادتهم . صنعوا له ذلك في المساجد ، ليجتهد الناس في العبادة . أو : صور السباع والطيور ، روى أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ، ونسرين فوقه ، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما ، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما . وكان التصوير مباحا .
وَجِفانٍ
؛ وصحاف ، جمع : جفنة ، وهي القصعة ،
كَالْجَوابِ
؛ جمع جابية ، وهي الحياض الكبار . قيل : كان يقعد على الجفنة ألف رجل ، يأكلون بين يديه ،
وَقُدُورٍ راسِياتٍ
؛ ثابتات على الأثافى ، لا تنزل ؛ لعظمها ، ولا تعطل ؛ لدوام طبخها . وقيل : كان قوائمها من الجبال ، يصعد إليها بالسلالم ، وقيل : باقية باليمن . وقلنا :
اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً
أي : اعملوا بطاعة اللّه ، واجهدوا أنفسكم في عبادته ، شكرا لما أولاكم من نعمه . قال ثابت : كان داود جزأ ساعات الليل والنهار على أهله ، فلم تكن تأتى ساعة من ساعات الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلّى . ه « 1 » . وقال سعيد بن المسيب : لما فرغ سليمان من بيت المقدس انغلقت أبوابه ، فعالجها ، فلم تنفتح ، حتى قال : بصلوات آل داود إلا فتحت الأبواب ، ففتحت ، ففرغ له سليمان عشرة آلاف من قراء بني إسرائيل ؛ خمسة آلاف بالليل ، وخمسة آلاف بالنهار ، فلا تأتى ساعة من ليل ولا نهار إلا واللّه عز وجل يعبد فيها . ه . وعن الفضيل : ( اعملوا آل داود ) أي : ارحموا أهل البلاء ، وسلوا ربكم العافية . و ( شكرا ) : مفعول له ، أو حال ، أي : شاكرين ، أو مصدر ، أي : اشكروا شكرا ؛ لأن « اعملوا » فيه معنى اشكروا ، من حيث إن العمل للنعم شكر ، أو : مفعول به ، أي : إنّا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم ، فاعملوا أنتم شكرا .
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
، يحتمل أن يكون من تمام الخطاب لداود عليه السّلام ، أو خطاب لنبينا صلى اللّه عليه وسلم . والشكور : القائم بحق الشكر ، الباذل وسعه فيه ، قد شغل به بقلبه ولسانه وجوارحه في أكثر أوقاته ، اعتقادا واعترافا وكدحا . وعن ابن عباس : هو من يشكر على أحواله كلها . وقيل : من شكر على الشكر ، ومن يرى عجزه عن الشكر . قال البيضاوي : لأن توفيقه للشكر نعمة ، فتقتضى شكرا آخر ، لا إلى نهاية ، ولذلك قيل : الشكور من يرى عجزه عن الشكر . ه . الإشارة : وسخرنا لسليمان ريح الهداية ، تهب بين يديه ، يهتدى به مسيرة شهر وأكثر ، وأسلنا لوعظه وتذكيره العيون الجامدة ، فقطرت بالدموع خشوعا وخضوعا . وكل من أقبل على اللّه بكليته سخرت له الكائنات ، جنها وإنسها ، يتصرف بهمته فيها . فحينئذ يقال له ما قيل لآل داود : اعملوا آل داود شكرا . قال الجنيد : الشكر : بذل المجهود بين يدي المعبود . وقال أيضا : الشكر ألا يعصى اللّه بنعمه .
هامش
( 1 ) عزاه السيوطي في الدر ( 5 / 430 ) لابن أبي شيبة ، وأحمد ، في الزهد ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الشعب ، عن ثابت البناني .