تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 479

مساهمون:

ص٤٧٩
ويروى أن سليمان سار من أرض العراق ، فقال بمدينة مرو ، وصلى العصر بمدينة بلخ ، تحمله الريح ، وتظله الطير ، ثم سار من بلخ متخللا بلاد الترك ، ثم سار به إلى أرض الصين ، ثم عطف يمنة على مطلع الشمس ، على ساحل البحر ، حتى أتى أرض فارس ، فنزلها أياما ، وغدا منها فقال بكسكر ، ثم راح إلى اليمن ، وكان مستقره بها بمدنية تدمر ، وقد كان أمر الشياطين قبل شخوصه من الشام إلى العراق ، فبنوها له بالصفاح ، والعمد ، والرخام الأبيض والأصفر . ه . قلت : وذكر أبو السعود في سورة « ص » أنه غزا بلاد المغرب الأندلسي وطنجة وغيرهما ، واللّه تعالى أعلم . ووجدت هذه الأبيات منقورة في صخرة بأرض كسكر ، أنشأها بعض أصحاب سليمان عليه السّلام :
ونحن ولا حول سوي حول ربّنا * نروح إلى الأوطان من أرض كسكر
إذ نحن رحنا كان ريث رواحنا * مسيرة شهر والغدوّ لآخر
أناس أعزّ اللّه طوعا نفوسهم * بنصر ابن داود النبىّ المطهّر
لهم في معالى الدّين فضل ورفعة * وإن نسبوا يوما فمن خير معشر
متى يركب الريح المطيعة أسرعت * مبادرة عن شهرها لم تقصّر
تظلّهم طير صفوف عليهم * متى رفرفت من فوقهم لم تنفّر « 1 »
قال القشيري : وفي القصة أنه لاحظ يوما ملكه ، فمال الريح ، فقال له : استو ، فقال له ما دمت أنت مستويا بقلبك كنت مستويا لك ، فحيث ملت . ه . ثم قال :
وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ
أي : معدن النحاس . والقطر : النحاس ، وهو الصفر ، ولكنه أذابه له ، وكان يسيل في الشهر ثلاثة أيام ، كما يسيل الماء . وكان قبل سليمان لا يذوب . قال ابن عباس : كانت تسيل له باليمن عين من نحاس ، يصنع منها ما أحب . وقيل : القطر : النحاس والحديد ، وما جرى مجرى ذلك ، كان يسيل له منه عيون . وقيل : ألانه له كما ألان الحديد لأبيه ، وإنما ينتفع الناس اليوم بما أجرى اللّه تعالى لسليمان ، كما قيل .
وَ
سخرنا له
مِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ
ما يشاء
بِإِذْنِ رَبِّهِ
أي : بأمر ربه ،
وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا
أي : ومن يعدل منهم عن أمرنا الذي أمرنا به من طاعة سليمان
نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ
: عذاب الآخرة . وقيل : كان معه ملك بيده سوط من نار ، فمن زاغ عن طاعة سليمان ضربة بذلك ضربة أحرقته .
هامش
( 1 ) انظر الأبيات في : تفسير القرطبي ( 6 / 5504 - 5505 ) والبحر المحيط ( 7 / 254 ) .