تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
كفضاء ( بقيعة ) ؛ بأرض منبسطة ،
يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ
؛ يظنه العطشان
ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
أي : لم يجده كما ظنه ورجاه ، بل خاب مطمعه ومسعاه ،
وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ
أي : وجد جزاء اللّه ، أو حكمه ، عند عمله ، أو عند جزائه ،
فَوَفَّاهُ حِسابَهُ
أي : أعطاه جزاءه كله وافيا ، وإنما وحّد ، بعد تقديم الجمع ، حملا على كل واحد من الكفار .
وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ
؛ يحاسب العباد في ساعة ؛ لأنه لا يحتاج إلى عد وعقد ، ولا يشغله حساب عن حساب ، أو قريب حسابه ؛ لأنّ كل آت قريب . شبه ما يعمله الكفرة من البر ، الذي يعتقد أنه ينفعه يوم القيامة وينجيه من عذاب اللّه ، ثم يخيب في العاقبة أمله ، ويلقى خلاف ما قدّر ، بسراب يراه الكافر بالساهرة ، وقد غلبه عطش يوم القيامة ، فيحسبه ماء ، فيأتيه ، فلا يجد ما رجاه ، ويجد زبانية اللّه ، فيأخذونه إلى جهنم ، فيسقونه الحميم والغساق . قيل : هم الذين قال اللّه فيهم :
عامِلَةٌ ناصِبَةٌ
« 1 » ، و
يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
« 2 » . قيل : نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية ، كان ترهب في الجاهلية ولبس المسوح ، والتمس الدين ، فلما جاء الإسلام كفر . ه . ثم ضرب مثلا لأعمالهم في الدنيا ، فقال :
أَوْ كَظُلُماتٍ
، « أو » : للتنويع ،
فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ
؛ عميق كثير الماء ، منسوب إلى اللج ، وهو معظم ماء البحر ،
يَغْشاهُ
أي : يغشى البحر ، أو من فيه ، أي : يعلوه ويغطيه بالكلية ،
مَوْجٌ
هو ما ارتفع من الماء ،
مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ
أي : من فوق الموج موج آخر ،
مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ
؛ من فوق الموج الأعلى سحاب ،
ظُلُماتٌ
أي : هذه ظلمات ؛ ظلمة السحاب ، وظلمة الأمواج ، وظلمة البحر ،
بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ
؛ ظلمة الموج على ظلمة البحر ، وظلمة الموج على ظلمة الموج الأسفل ، وظلمة السحاب على الموج ، وهذا أعظم للخوف وأقرب للعطب ، لأنه يغطى النجوم التي يهتدى بها ويشتد معه الريح والمطر ، وذلك يؤكد التلف ،
إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ
أي : الواقع فيه ، أو من ابتلى بها ،
لَمْ يَكَدْ يَراها
؛ مبالغة في « لم يرها » أي : لم يقرب أن يراها ، فضلا عن أن يراها . شبّه أعمالهم ، في ظلمتها وسوادها ؛ لكونها باطلة ، وخلوها عن نور الحق ، بظلمات متراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب . قال ابن جزىّ : لما ذكر حال المؤمنين عقّب ذلك بمثالين لأعمال الكفار ؛ الأول : يقتضى حال أعمالهم في الآخرة ، وأنها لا تنفعهم ، بل يضمحل ثوابها كما يضمحل السراب . والثاني : يقتضى حال أعمالهم في الدنيا ، وأنها في غاية الفساد والضلال ، كالظلمة التي بعضها فوق بعض . ثم قال : وفي وصف هذه الظلمات مبالغة ، كما أن في
هامش
( 1 ) الآية 3 من سورة الغاشية . ( 2 ) الآية 104 من سورة الكهف .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 47 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان