تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
وقال بعضهم : الدنيا كلها بحر لّجّى ، والناس مغروقون فيه ، إلا من عصم اللّه ، وساحله الموت ، فمن لعبت به أمواج الهوى والحظوظ ، فليأوى إلى سفينة الزهد والورع ، وليتمسك برئيس عارف بأهوال البحر ، وهم العارفون باللّه ، فإنه ينجو من أهوالها ، ومن أخطأ هذا غرق في تيارها ، ولعبت به أمواج حظوظها وشهواتها ، فكان من الهالكين ، نسأل اللّه الحفظ بمنّه وكرمه . ثم ذكر علامات وجود ذلك النور المتقدم في أهل السماوات والأرض ، فقال :

[ سورة النور ( 24 ) : الآيات 41 إلى 42 ]

أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ( 41 ) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ( 42 ) يقول الحق جل جلاله :
أَ لَمْ تَرَ
يا محمد ، وخصّه بالخطاب ؛ إيذانا بأنه صلى اللّه عليه وسلم قد أفاض عليه أعلى مراتب النور وأجلاها ، وبيّن له من أسرار الملكوت أجلّها وأخفاها ، أي : ألم تنظر بعين بصيرتك ، فتعلم علم يقين ،
أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ
أي : ينزهه على الدّوام
مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
؛ من العقلاء وغيرهم ، تنزيها معنويا ، فإن كلا من الموجودات يدل على وجود صانع واجب الوجود ، متصف بصفات الكمال ، مقدس عن كل ما لا يليق بعلو شأنه . أو : تنزيها حسيا بلسان المقال ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم . وتخصيص التنزيه بالذكر ، مع دلالة ما فيهما على اتصافه تعالى بنعوت الكمال أيضا ؛ لأن مساق الكلام تقبيح حال الكفرة في إخلالهم بالتنزيه ؛ بجعلهم الجمادات شركاء له ودعوى اتخاذه الولد .
وَ
يسبحه
الطَّيْرُ
حال كونها
صَافَّاتٍ
أي : يصففن أجنحتهن في الهواء ، وتخصيصها بالذكر ، مع اندراجها في جملة ما في الأرض ؛ لعدم استمرار قرارها فيها ، ولاختصاصها بصنع بارع ، وهو اصطفاف أجنحتها في الجو ، وتمكينها من الحركة كيف تشاء ، وإرشادها إلى كيفية استعمالها بالقبض والبسط ، ففي ذلك دلالة واضحة على كمال قدرة الصانع المجيد ، وغاية حكمة المبدئ المعيد .
كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ
أي : كل واحد من الأشياء المذكورة قد علم اللّه تعالى صلاته ، أي : دعاءه وخضوعه وتسبيحه . أو : كلّ قد علم في نفسه ما يصدر عنه من صلاة وتسبيح ، فالضمير : ما إليه أو لكل . ولا يبعد أن يلهم اللّه الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة ، التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها .
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ
؛ لا يعزب عن علمه شئ .