تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 411

مساهمون:

ص٤١١
وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
، قال النسفي : وقدّم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على نوح ومن بعده ؛ لأن هذا العطف لبيان فضيلة هؤلاء ؛ لأنهم أولو العزم ، وأصحاب الشرائع ، فلمّا كان نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم أفضل هؤلاء قدّم عليهم ، ولولا ذلك لقدّم من قدّمه زمانه . ه .
وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً
؛ وثيقا . وأعاد ذكر الميثاق ؛ لانضمام الوصف إليه . وإنما فعلنا ذلك
لِيَسْئَلَ
اللّه
الصَّادِقِينَ
أي : الأنبياء
عَنْ صِدْقِهِمْ
؛ عما قالوه لقومهم ، وهل بلغوا ما كلفهم به . وفيه تبكيت للكفار ، كقوله :
فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ
« 1 » ، أو : ليسأل المصدّقين للأنبياء عن تصديقهم : هل كان بإخلاص أم لا ؟ ؛ لأن من قال للصادق : صدقت ؛ كان صادقا في قوله . أو : ليسأل الأنبياء : ما الذي أجابتهم أممهم ؟ وهو كقوله :
يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ
« 2 » ،
وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ
بالرسل
عَذاباً أَلِيماً
، وهو عطف على « أخذنا » ؛ لأن المعنى : أن اللّه تعالى أخذ على الأنبياء العهد بالدعوة إلى دينه ؛ لأجل إثابة المؤمنين ، وأعدّ للكافرين عذابا أليما . أو : على ما دلّ عليه :
لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ
، كأنه قال : فأثاب المؤمنين ، وأعدّ للكافرين عذابا أليما . الإشارة : كما أخذ اللّه الميثاق على الأنبياء والرسل ؛ أخذ الميثاق على العلماء والأولياء . أما العلماء ؛ فعلى تبيين الشرائع وتغيير المناكر ، وألا تأخذهم في اللّه لومة لائم ، وأما أخذه على الأولياء ؛ فعلى تذكير العباد وإرشادهم إلى معرفة اللّه ، وتربية من تعلق بهم ، وسياسة الخلق ، ودلالتهم على الحق ، فمن قصر من الفريقين استحق العتاب . قال القشيري : فلكلّ من الأولياء والأكابر حال ، على ما يؤهلهم له ؛ قال صلى اللّه عليه وسلم : « لقد كان في الأمم محدّثون ، وإن يكن في أمتي فعمر » ، وغير عمر مشارك لعمر في خواص كثيرة ، وذلك سر بينهم وبين ربّهم . ثم قال : قوله تعالى :
لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ
؛ سؤال تشريف لا تعنيف ، وإيجاب لا عتاب . والصدق : ألا يكون في أحوالك شوب ، ولا في اعتقادك ريب ، ولا في عملك عيب ، ويقال : من أمارات الصدق في المعاملة : وجود الإخلاص من غير ملاحظة ، وفي الأحوال : تصفيتها [ من غير مداخلة الحجاب ] « 3 » ، وفي القول : سلامته من المعاريض ، [ فيما بينك وبين نفسك ] « 4 » . وفيما بينك وبين الناس : تباعد من التلبيس والتدليس ، وفيما
هامش
( 1 ) الآية 6 من سورة الأعراف . ( 2 ) متفق عليه ، أخرجه البخاري في ( فضائل الصحابة ، باب : مناقب عمر ، ح 3689 ) ومسلم في ( فضائل الصحابة ، باب : من فضائل عمر 4 / 8164 ، ح 2398 ) . ( 3 ) في القشيري [ من غير مداخلة إعجاب ] . ( 4 ) ما بين المعقوفتين ليس في الأصول ، وأثبته من القشيري ، وهو ضروري يقتضيه السياق .