تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
جزئي من جهة تشكيله للمعنى الكلى ، والفرق بينه وبين التجليات الظاهرة للحس : أن التجلي المستولى غير مرتد برداء الحس ؛ إذ لا عبودية فيه ، ولا قهرية تلحقه . ولأنه لم يظهر للعيان حتى يحتاج إلى رداء ، لأن كنزه ما زال مدفونا ، حيث ارتفع فوق تجليات الأكوان . فتأمل ، وسلّم ، إن لم تفهم ، ولا تبادر بالإنكار حتى تصحب الرجال ، فيخوضون بك بحر الأحدية الحقيقة ، فتفهم أسرار التوحيد . وباللّه التوفيق . ثم كمل ما بقي من أوصافه ، فقال :

[ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 7 إلى 10 ]

الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ( 7 ) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 8 ) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 9 ) وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ ( 10 ) قلت : ( الذي ) : صفة للعزيز ، أو : خبر عن مضمر . ومن قرأ
خَلَقَهُ
؛ بالفتح « 1 » ؛ فصفة لكل ، ومن سكّنه ؛ فبدل منه ، أي : أحسن خلق كل شئ . يقول الحق جل جلاله‌فى وصف ذاته :
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
أي : أبدع خلق كل شئ ، أتقنه على وفق حكمته . أو : أتقن كل شئ من مخلوقاته ، فجعلهم في أحسن صورة . ثم
بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ
؛ آدم
مِنْ طِينٍ ،
ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ
؛ ذريته
مِنْ سُلالَةٍ
أي : نطفة مسلولة من سائر البدن ،
مِنْ ماءٍ
أي : منّى ، وهو بدل من سلالة ،
مَهِينٍ
؛ ضعيف حقير .
ثُمَّ سَوَّاهُ
أي : سوّى صورته في أحسن تقويم ،
وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ
، أضافه إلى نفسه ، تشريفا ، إشارة إلى أنه خلق عجيب ، وأن له شأنا ومناسبة إلى حضرة الربوبية ، ولذلك قيل : من عرف نفسه عرف ربه . وقد تقدم في سورة الإسراء ، في الكلام على الروح ، وجه المعرفة منه « 2 » .
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ
لتسمعوا كلامه ، وتبصروا آثار قدرته وعجائب حكمته ، وتعقلوا ، فتعرفوا صانعكم ومدبر أمركم .
قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
أي : تشكرون شكرا قليلا على هذه النعم ؛ لقلة التدبر فيها .
هامش
( 1 ) قرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي : « خلقه » ؛ بفتح اللام ، فعلا ماضيا ، وقرأ الباقون : بسكونها ؛ بدل من « كل » ؛ بدل اشتمال . انظر : الإتحاف ( 2 / 366 ) . ( 2 ) راجع إشارة الآية 85 من سورة الإسراء . ( 3 / 228 - 230 ) .