تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
والبهائم وسائر الحيوانات . وبه قال مالك وأشهب . وذهب قوم إلى أن أرواح البهائم وسائر الحيوانات إنما تقبض أرواحها أعوان ملك الموت . وذهب قوم إلى أن الموت في حق غير بني آدم ، إنما هو عدم محض ، كيبس الشجر وجفاف الثياب ، فلا قبض لأرواحها ، وهو أعلم من كونها تبعث ، أو : لا ؛ بأن تعاد عن عدم ، بخلاف المكلف ، فإن روحه لا تعدم ، خلافا للملاحدة ، فإنهم جعلوا الموت كله عدما محضا ، كجفاف العود الأخضر ، وهو كفر . هذا وقد اختلف في كون الموت ضد الحياة ، فيكون معنى وجوديا ، أو هو عدم الحياة ، فيكون عدما ، وعلى كلا القولين فالأرواح باقية بعد مفارقة الأبدان ، منعّمة أو معذبة .
وَلَوْ تَرى
يا محمد
إِذِ الْمُجْرِمُونَ
وهم الذين قالوا :
أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ . . .
إلخ ، و « لو » و « إذ » للماضى ، وإنما جاز هنا ؛ لأن المترقّب محقق الوقوع . و ( ترى ) ، هنا ، تامة ، لا مفعول لها ، أي : لو وقعت منك رؤية
إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ
أي : وقت كون المجرمين ناكسى رؤوسهم من الذل والحياء والندم ،
عِنْدَ رَبِّهِمْ
؛ عند حساب ربهم ، قائلين :
رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا
أي : صدّقنا الآن وعدك ووعيدك ، وأبصرنا ما حدّثتنا به الرسل ، وسمعنا منك تصديق رسلك ،
فَارْجِعْنا
إلى الدنيا
نَعْمَلْ صالِحاً
من الإيمان والطاعة ،
إِنَّا مُوقِنُونَ
بالبعث والحساب الآن . وجواب « لو » : محذوف ، أي : لرأيت أمرا فظيعا .
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها
أي : ما تهتدى به إلى الإيمان والطاعة ، أي : لو شئنا لأعطيناء في الدنيا ، كل نفس ما عندنا من اللطف الذي ، لو كان منهم اختيار ذلك ، لاهتدوا . لكن لم نعطهم ذلك اللطف ؛ لما علمنا منهم اختيار الكفر وإيثاره . وهو حجة على المعتزلة ؛ فإن عندهم : قد شاء اللّه أن يعطى كل نفس ما به اهتدت ، وقد أعطاها ، لكنها لم تهتد ، وأوّلوا الآية بمشيئة الجبر ، وهو فاسد . قال تعالى :
وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
، أي : ولكن وجب القول منى لأعمرنّ جهنم من الجنّة والناس ، الذين علمت منهم أنهم يختارون الكفر والتكذيب . وفي تخصيص الجن والإنس : إشارة إلى أنه عصم الملائكة من عمل يستوجبون به جهنم . وفي الآية ما يقتضى تخصيص أهل النار بالجن والإنس ، فيرد ما يذكر أنه كان قبل آدم أمم كفروا ، ولا يصح ذلك ، إلا أن يكونوا من الجن .
فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا
أي : باشروا وبال ترككم العمل للقاء يومكم هذا ، وهو الإيمان به .
إِنَّا نَسِيناكُمْ
: تركناكم في العذاب ،
وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ
أي : العذاب الدائم الذي لا انقطاع له
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
من الكفر والمعاصي .