تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
يقول الحق جل جلاله :
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ
؛ أصناما يعبدونها ، أي : مثل من أشرك باللّه الأوثان ؛ في الضعف ، وسوء الاختيار ،
كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً
، أي : كمثل العنكبوت فيما تتخذه لنفسها من بيت ؛ فإنه لا يدفع الحر والبرد ، ولا يقى ما تقى البيوت ، فكذلك الأوثان ، لا تنفعهم في الدنيا والآخرة ، بل هي أو هي وأضعف ، فإن لبيت العنكبوت حقيقة وانتفاعا عاما ، وأما الأوثان فتضر ولا تنفع ،
وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ
أي : أضعفها
لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ
؛ لا بيت أوهن من بيته ؛ إذ أضعف شئ يسقطها . عن عليّ رضي اللّه عنه : « طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت ، فإن تركه يورث الفقر » . والعنكبوت يقع على الواحد والجمع ، والمذكر والمؤنث ، ويجمع على عناكيب وعناكب وعكاب وعكبة وأعكب .
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
لعلموا أن هذا مثلهم ، وأنّ ما تمسكوا به من الدين أرق من بيت العنكبوت . وقال الزجاج : تقدير الآية : مثل الدين اتخذوا من دون اللّه أولياء ، لو كانوا يعلمون ، كمثل العنكبوت . وقيل : معنى الآية : مثل المشرك يعبد الوثن ، بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد اللّه ، مثل عنكبوت تتخذ بيتا بالإضافة إلى رجل بنى بيتا بآجرّ وجص ، أو جص وصخور ، فكما أن أوهن البيوت ، إذا استقرأتها بيتا بيتا ، بيت العنكبوت ، كذلك أضعف الأديان ، إذا تتبعتها دينا دينا ، عبادة الأوثان . وقال الضحاك : ضرب مثلا لضعف آلهتهم ووهنها ، فلو علموا أن عبادة الأوثان ، في عدم الغنى ، كما ذكرنا في المثل ، لما عبدوها ، ولكنهم لا يعلمون ، بل اللّه يعلم ضعف ما تعبدون من دونه وعجزه ، ولذلك قال :
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ
« 1 »
مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ
، أي : يعلم حاله ، وصفته ، وحقيقته ، وعدم صلاحيته لما تؤملونه منه ، فما : موصولة ، مفعول « يعلم » ، وهي تامة ، أي : يتعلق علمه بجميع ما يعبدونه من دونه ، أىّ شئ كان . أو ناقصة ، والثاني محذوف ، أي : يعلمه وهيا وباطلا . وقيل : استفهامية معلقة ، وأما كونها نافية فضعيف ، و « من » ، الثانية ؛ للبيان ، ومن قرأ بالخطاب ؛ فعلى حذف القول ، أي : ويقال للكفرة : إن اللّه يعلم ما تعبدونه من دونه من جميع الأشياء ، أو : أىّ شئ كان .
وَهُوَ الْعَزِيزُ
الغالب الذي لا شريك له ،
الْحَكِيمُ
في ترك المعاجلة بالعقوبة ، وفيه تجهيل لهم ، حيث عبدوا جمادا لا علم له ولا قدرة ، وتركوا عبادة القادر القاهر على كل شئ ، الحكيم الذي لا يفعل إلا لحكمة وتدبير .
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ
الغربية ، أي : هذا المثل ونظائره
نَضْرِبُها لِلنَّاسِ
؛ نبيّنها لم ؛ تقريبا لما بعد عن أفهامهم . كان سفهاء قريش وجهلتهم يقولون : إن رب محمد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت ، ويضحكون من
هامش
( 1 ) قرأ أبو عمرو وعاصم ويعقوب : يدعون بياء الغيب . وقرأ الباقون بالخطاب . انظر : الإتحاف 2 / 351 .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 304 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان