تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
إليك ، ويجوز أن يكون استثناء محمولا على المعنى ، كأنه قال : وما ألقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك ،
فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً
؛ معينا
لِلْكافِرِينَ
على دينهم ؛ بمداراتهم والتحمل عنهم ، والإجابة إلى طلبتهم .
وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ
أي : لا يمنعك هؤلاء عن العمل بآيات اللّه وتبليغها وإظهارها ،
بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ
أي : بعد وقت إنزالها ، و
إِذْ
: مضاف إليه أسماء الزمان ، كقولك : حينئذ ويومئذ .
وَادْعُ إِلى رَبِّكَ
؛ إلى توحيده وعبادته ،
وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
، نهاه ؛ تنفيرا لغيره من الشرك .
وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
، قال ابن عباس رضي اللّه عنه : الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، والمراد به أهل دينه . قال البيضاوي : وهذا وما قبله تهييج ، وقطع أطماع المشركين عن مساعدته لهم ،
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
: استئناف ، مقرر لما قبله ،
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
أي : ذاته ، فالوجه يعبّر به عن الذات ، أي : كل شئ فان مستهلك معدوم ، إلا ذاته المقدسة ، فإنها موجودة باقية . وقال أبو العالية : إلا ما أريد به وجه اللّه ، من علم وعمل ، فإنه لا يفنى . قال عبادة بن الصامت رضي اللّه عنه : يجاء بالدنيا يوم القيامة ، فيقال : ميزوا ما كان للّه تعالى منها ، فيميز ، ثم يؤمر بسائرها فيلقى في النار . ه . وقال الضحاك : كل شئ هالك إلا اللّه والجنة والنار والعرش .
لَهُ الْحُكْمُ
؛ القضاء النافذ في خلقه ،
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
؛ للجزاء والفصل . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : أهل الاشتياق يروّحون أرواحهم بهذه الآية ، فيقولون لها : إن الذي فرض عليك القرآن ، أن تعمل به في الدنيا ، لرادك إلى معاد جسماني روحاني ، فتتصل نضرتك ونظرتك إلى وجه الحبيب ، من غير عذول ولا رقيب ، على سبيل الاتصال ، من غير تكدر ولا انفصال ، فإن وقع الإنكار على أهل الخصوصية ؛ فيقولون :
رَبِّي أَعْلَمُ
الآية . . وما كنت ترجو أن تلقى إليك الخصوصية إلا رحمة من ربك ، فلا تكونن ظهيرا للكافرين المنكرين لها ، معينا لهم على إذاية من انتسب إليها ، ولا يصدنك عن معرفة آيات اللّه الدالة عليه ، بعد إذ أنزلت إليك ، أي : لا يمنعك الناس عن صحبة أولياء اللّه ، الدالين عليه ، وادع إلى ربك ، أي : إلى معرفة ذاته ووحدانيته ، ولا تكونن من المشركين بشهود شئ من السّوى ، فإن كل شئ هالك ، أي : معدم في الماضي والحال والاستقبال ، إلا وجهه : إلا ذاته ، فلا موجود معها ، وفي ذلك يقول الشاعر :
اللّه قل ، وذر الوجود وما حوى * إن كنت مرتادا بلوغ كمال
فالكلّ ، دون اللّه ، إن حقّقته ، * عدم على التّفصيل والإجمال
واعلم بأنّك ، والعوالم كلّها ، * لولاه ، في محو وفي اضمحلال