تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
ثم ذكر عاقبة سيد المتقين ، فقال :

[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 85 إلى 88 ]

إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 85 ) وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ ( 86 ) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 87 ) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 88 ) قلت : ( ولا يصدنك ) : مجزوم بحذف النون ، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين ، حين دخلت نون التوكيد . يقول الحق جل جلاله ، لرسوله صلى اللّه عليه وسلم :
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ
أي : أوجب عليك تلاوته وتبليغه ، والعمل بما فيه ،
لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ
عظيم ، وهو المعاد الجسماني ؛ لتقوم المقام المحمود ، الذي لا يقوم فيه أحد غيرك ، مع حضور الأكابر من الرسل وغيرهم . أو : لرادك إلى معادك الأول ، وهو مكة ، وكان عليه الصلاة والسلام اشتاق إليها ؛ لأنها مولده ومولد آبائه ، وقد ردّه إليها يوم الفتح ، وإنما نكّره ؛ لأنه كان في ذلك اليوم معاد له شأن ، ومرجع له اعتداد ؛ لغلبته - عليه الصلاة والسلام - ونصره ، وقهره لأعدائه ، ولظهور عز الإسلام وأهله ، وذل الشرك وحزبه . والسورة مكية ، ولكن هذه الآية نزلت بالجحفة ، لا بمكة ولا بالمدينة « 1 » ، وفي الآية وعد بالنصر ، وأن العاقبة الحسنة والخير الجسيم للنبي صلى اللّه عليه وسلم لا يختص بالآخرة ، بل يكون في الدنيا له ولمتّبعيه ، ولكن بعد الابتلاء والامتحان ، كما في صدر السورة الآتية بعدها ، وبهذا يقع التناسب بينهما ، فإنها كالتعليل لما قبلها . ولما وعده بالنصر قال له :
قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى
أي : يعلم من جاء بالحق ، يعنى : نفسه صلى اللّه عليه وسلم مع ما يستحقه من النصر والثواب ، في معاده ،
وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
؛ وهم المشركون ، مع ما يستحقونه من العقاب في معادهم .
وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى
؛ يوحى
إِلَيْكَ الْكِتابُ
أي : القرآن ، فكما ألقى إليك الكتاب ، وما كنت ترجوه ؛ كذلك يردك إلى معادك الأول ، من غير أن ترجوه ،
إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
، لكن ألقاه إليك ؛ رحمة منه
هامش
( 1 ) انظر تفسير ابن كثير ( 3 / 402 - 403 ) .