تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
استمتاعكم من الفروج ،
مِنْ أَزْواجِكُمْ
، فمن للبيان ، إن أريد ب « ما » : جنس الإناث ، وهو الظاهر ، وللتبعيض ، إن أريد بها العضو المباح منهن ، تعريضا بأنهم يفعلون ذلك بنسائهم أيضا ، وفيه دليل تحريم أدبار الزوجات والمملوكات ، ومن أجاز ذلك قد أخطأ خطأ عظيما .
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ
أي : متعدون ، والعادي : المتعدى في ظلمه ، المتجاوز فيه الحد ، أي : أنتم قوم أحقاء بأن توصفوا بالعدوان ؛ حيث ارتكبتم مثل هذه العظيمة ، التي لم يرتكبها أحد قبلكم ، ولو من الحيوانات البهيمية .
قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ
عن إنكارك علينا وتقبيح أمرنا
لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ
من بلدنا ، أي : من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا ، وطردناه من بلدنا . ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوأ حال .
قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ
؛ من المبغضين غاية البغض ، كأنه يقلى الفؤاد والكبد من شدته . والقلى : أشدّ البغض ، وهو أبلغ من أن يقول : لعملكم قال ، فقولك : فلان من العلماء ، أبلغ من قولك : فلان عالم ؛ لأنك تشهد بأنه مساهم لهم في العلم . وفي الآية دليل على قبح معصية اللواط ؛ ولذلك أفتى مالك بقتل فاعلها . ثم قال :
رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ
؛ من عقوبة عملهم ،
فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ
يعنى : بناته ، ومن آمن معه ،
إِلَّا عَجُوزاً
هي امرأته ، وكانت راضية بذلك ، والراضي بالمعصية في حكم العاصي ، ولو لم يحضر . واستثناؤها من الأهل ؛ لأنها داخلة فيه - ولو لم تكن مؤمنة - ؛ لاشتراكها في الأهلية بحق الزواج . بقيت
فِي الْغابِرِينَ
؛ في الباقين في العذاب ، وهي صفة لها . والغابر في اللغة : الباقي ، كأنه قيل : إلا عجوزا غابرة ، أي : مقدّرا غبورها ؛ إذ الغبور لم يكن صفتها وقت نجاتهم .
ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ
أي : أهلكناهم أشد إهلاك وأفظعه ،
وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً
أي : مطرا غير معهود . وعن قتادة : أمطر اللّه على شذّاذ القوم ، أي : الخارجين عن البلد - حجارة من السماء فأهلكهم ، وقلب المدينة بمن فيها . وقيل : لم يرض بالقلب فقط حتى أتبعهم مطرا من حجارة ،
فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ
أي : قبح مطر المنذرين مطرهم ، فالمخصوص محذوف .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
، بل لم يؤمن به إلا بناته وناس قليلون . أو : ما كان أكثر قريش بمؤمنين بهذا ،
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ
الغالب ،
الرَّحِيمُ
؛ حيث لم يعاجل بالعقوبة لمن استحقها . الإشارة : من شناعة هذه المعصية حذّر الصوفية من مخالطة الشبان ، وكذلك النساء . وما أولع فقير بمخالطتهما فأفلح أبدا ، إن سلم من الفاحشة اتّهم بها ، ولا يحل لا مرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف مواقف التهم . والنظر إلى محاسن النساء والشبان فتنة ، وهي كالعقارب ، الصغيرة تلدغ ، والكبيرة تلدغ ، فالسلامة البعد عن ساحتهن ، إلا على وجه أباحته الشريعة ، كالتعليم أو التذكير ، مع غضّ البصر ، أو حجاب بينه وبينهن ، وبالله التوفيق .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 157 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان