تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
يقول الحق جل جلاله :
وَقالَ الشَّيْطانُ
، أي : إبليس الأقدم
لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ
أي : أمر الحساب ، وفرغ منه ، ودخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار . روى أنه ينصب له منبر من نار ، فيقوم خطيبا في النار على أهل النار ، يعنى على الأشقياء من الثقلين ، فيقول في خطبته :
إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ
، أي : وعدا حقا أنجزه لكم ، وهو وعد البعث والجزاء ،
وَوَعَدْتُكُمْ
وعد الباطل ، وهو : ألّا بعث ولا حساب ، وإن كان واقعا شئ من ذلك فالأصنام تشفع لكم ،
فَأَخْلَفْتُكُمْ
، أي : فظهر خلاف ما وعدتكم ، جعل تبين خلف وعده كالإخلاف منه ؛ مجازا .
وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ
؛ من تسلط ، فألجئكم إلى الكفر والمعاصي ،
إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ
؛ إلا دعائي إياكم إليها بتسويل وتزيين ،
فَاسْتَجَبْتُمْ لِي
، وهو ليس من جنس التسلط ، لكنه تهكم بهم ، على طريقة قوله : تحيّة بينهم ضرب وجيع « 1 » . ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعا ، أي : ما تسلطت عليكم بالقهر ، لكن دعوتكم فأسرعتم إجابتي ،
فَلا تَلُومُونِي
؛ فإنّ من اشتهر بالعداوة لا يلام على أمثال ذلك ،
وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ
؛ حيث أطعتمونى حين دعوتكم ، ولم تطيعوا ربكم لما دعاكم . ولا حجة للمعتزلة في الآية على أن العبد يخلق أفعاله ؛ لأن كسب العبد مقدر في ظاهر الأمر ، لقيام عالم الحكمة ، وهو رداء لعالم القدرة ، فالقدرة تبرز ، والحكمة تستر ، وهو ما يظهر من اختيار العبد ، ولا اختيار له في الحقيقة ؛ قال تعالى :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ
« 2 » ،
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ *
« 3 » . ثم قال لهم :
ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ
: بمغيثكم من العذاب ،
وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ
: بمغيثي ،
إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ
، أي : إني كفرت اليوم بإشراككم إياي من قبل هذا اليوم في دار الدنيا ، بمعنى : تبرأت منه واستنكرته ، كقوله تعالى :
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ
« 4 » . أو : إني كفرت باللّه الذي أشركتمونى معه في طاعته من قبل ، حين امتنعت من السجود . والأول أظهر . قال تعالى :
إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
. ويحتمل أن يكون من تتمة خطبة الشيطان ، قال البيضاوي : وفي حكاية أمثال ذلك لطف للسامعين ، وإيقاظ لهم ، حتى يحاسبوا أنفسهم ويتدبروا عواقبهم . ه . الإشارة : ينبغي لك أيها العبد الصالح الناصح لنفسه أن تصغى بسمع قلبك إلى هذه المقالة ، التي تصدر من الشيطان عند فوات الأوان ، فتبادر إلى خلاص نفسك ما دمت في قيد حياتك ، قبل حلول رمسك « 5 » ، قبل أن تزل
هامش
( 1 ) عجز بيت أوله : وخيل قد دلفت ، لها نجيع . ( 2 ) من الآية 112 من سورة الأنعام . ( 3 ) من الآية 30 من سورة الإنسان ، ومن الآية 29 من سورة التكوير . ( 4 ) من الآية 14 من سورة فاطر . ( 5 ) أي : دخول القبر .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 56 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان