تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
تَبَعاً
في الكفر ، وتكذيب الرسل ، والإعراض عن نصحهم ،
فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
أي : فهل أنتم دافعون عنا شيئا من عذاب اللّه ؟ .
قالُوا
، أي : رؤساؤهم ، في جوابهم واعتذارهم :
لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ
أي : لو هدانا اللّه للإيمان ، ووفقنا إليه لهديناكم ، ولكن ضللنا فأضللناكم ، أي : اخترنا لكم ما اخترنا لأنفسنا ، ولو هدانا اللّه لطريق النجاة من العذاب لهديناكم وأغنيناه عنكم ، لكن سدّ دوننا طريق الخلاص ،
سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا
، أي : مستو علينا الجزع والصبر ،
ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ
: من مهرب ومنجى ، ويحتمل أن يكون قوله :
سَواءٌ عَلَيْنا . .
إلخ ، من كلام الفريقين معا ، ويؤيده ما روى أنهم يقولون : تعالوا نجزع ، فيجزعون خمسمائة عام ، فلا ينفعهم ، فيقولون : تعالوا نصبر ، فيصبرون كذلك ، ثم يقولون :
سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ
. نسأل اللّه العصمة بمنّه وكرمه . الإشارة : إذا ترقى العارفون ، ومن تعلق بهم ، عن عالم الأشباح إلى عالم الأرواح ، وبرزوا لشهود اللّه في كل شئ ، وقبل كل شئ ، وبعد كل شئ ، وعند كل شئ ، وتنزهوا في حضرة الأسرار ، ورفعوا يوم القيامة مع المقربين الأبرار ، بقي ضعفاء اليقين ؛ الذين تعوقوا عن صحبتهم ، في غم الحجاب ، وتعب الحس والخواطر ، مسجونين في سجن الأكوان ، فيقولون لمن عوّقهم عن صحبة العارفين من أهل الرئاسة والجاه : إنا كنا لكم تبعا ، فهل تمنعون شيئا مما نحن فيه من غم الحجاب ، وسقوط الدرجة ؟ فيقولون : لو هدانا اللّه لصحبتهم لهديناكم . فإذا نظروا يوم القيامة إلى ارتفاع درجاتهم ضجوا ، وفزعوا على ما فاتهم ، فلا ينفعهم ذلك ؛ فما لهم من محيص عن تخلفهم عن مقام المقربين . روى أن أهل عليين إذا أشرفوا على الأسفلين تشرق منازلهم من أنوار وجوههم . وسيأتي - إن شاء اللّه - الحديث عند قوله :
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
« 1 » . ثم ذكر خطبة الشيطان على أهل النار ، فقال :

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 22 ]

وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 22 ) قلت :
( إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ )
: الاستثناء منقطع ، ويجوز الاتصال ، و
( بِما أَشْرَكْتُمُونِ )
: مصدرية ، أو موصولة اسمية ، و
( مِنْ قَبْلُ )
: يتعلق بأشركتمون ، وعلى الثاني : بكفرت .
هامش
( 1 ) الآية 17 من سورة السجدة .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 55 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان