تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 558

مساهمون:

ص٥٥٨
قال القشيري : حق الجهاد ما يوافق الأمر في القدر والوقت والنوع ، فإذا حصل في شئ منه مخالفة فليس حقّ جهاده . ه . قلت : موافقة القدر ، في جهاد النفس ، أن يكون بغير إفراط ولا تفريط ، فالإفراط يمل ، والتفريط يخل ، وموافقة الوقت أن يكون قبل حصول المشاهدة ؛ إذ لا تجتمع مجاهدة ومشاهدة في وقت واحد . والنوع أن يجاهدها بما يباح في الشرع ، لا بمحرم ولا مكروه . وقال في الحاشية : هو الوفاء بالمشروع مع رفع الحرج ، بدليل ما بعده ، فهو موافق لقوله تعالى :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
« 1 » ، ومما هو ظاهر في الآية : الذب عن دينه وتغيير المناكر . ه .
هُوَ اجْتَباكُمْ
: اختاركم لدينه بإظهاره والذب عنه ، وهو تأكيد للأمر بالجهاد ، أي : وجب عليكم أن تجاهدوا ؛ لأنّ اللّه اختاركم لإظهار دينه ،
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
: ضيق ، بل وسع عليكم في جميع ما كلفكم به ، من الطهارة ، والصلاة والصوم والحج ، بالتيمم والإيماء ، وبالقصر في السفر ، والإفطار لعذر ، وعدم الاستطاعة في الحج . فاتبعوا
مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ
؛ فإن ما جاءكم به رسولكم موافق لملته في الجملة ، لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « جئتكم بالحنيفية السمحة » « 2 » ، وسماه أبا ، وإن لم يكن أبا للأمة كلها ؛ لأنه أبو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فكان أبا لأمته ؛ لأن أمة الرسول في حكم أولاده . قال صلى اللّه عليه وسلم : « إنّما أنا لكم مثل الوالد » « 3 » .
هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ
أي : اللّه ، بدليل قراءة أبى : « اللّه سماكم » أو إبراهيم لقوله :
وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ
« 4 »
مِنْ قَبْلُ
أي : سماكم من قبل ظهورهم في الكتب السالفة ،
وَفِي هذا
أي : القرآن ، فقد فضلكم على سائر الأمم ، وسماكم بهذا الاسم الأكرم ،
لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ
أنه قد بلغكم رسالة ربكم ،
وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
بتبليغ الرسل رسالات اللّه إليهم . وإذا خصكم بهذه الكرامة والأثرة
فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
بواجباتها ،
وَآتُوا الزَّكاةَ
لشرائطها ،
وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ
أي ثقوا به وتوكلوا عليه ، لا بالصلاة والزكاة . أو : ثقوا به في جميع أموركم ، ولا تطلبوا الإعانة والنصر إلا منه .
هُوَ مَوْلاكُمْ
: مالككم وناصركم ومتولى أموركم ،
فَنِعْمَ الْمَوْلى
؛ حيث لم يمنعكم رزقكم بعصيانكم ،
وَنِعْمَ النَّصِيرُ
أي : الناصر ؛ حيث أعانكم على طاعتكم ومجاهدة نفوسكم وأعدائكم .
هامش
( 1 ) من الآية 16 من سورة التغابن . ( 2 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند ( 5 / 266 ) ، والطبراني في الكبير ( 8 / 257 رقم 7868 ) من حديث أبي أمامة بلفظ : « إني لم أبعث باليهودية ولا النصرانية ، ولكني بعثت بالحنيفية السمحة » . ( 3 ) بعض حديث أخرجه أبو داود في ( الطهارة ، باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة ) ، والنسائي في ( الطهارة ، باب النهى عن الاستطابة بالروث ) ، وابن ماجة في ( الطهارة ، باب الاستنجاء بالحجارة ) ، والدارمي في ( الطهارة ، باب الاستنجاء بالأحجار ) عن أبي هريرة رضى اللّه عنه . ( 4 ) من الآية 128 من سورة البقرة .