تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 555

مساهمون:

ص٥٥٥

[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 73 إلى 74 ]

يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ( 73 ) ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 74 ) يقول الحق جل جلاله :
يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ
أي : يبين لكم حال مستغربة ، أو قصة بديعة رائقة حقيقة بأن تسمى مثلا ، وتنشر في الأمصار والأعصار ،
فَاسْتَمِعُوا لَهُ
؛ لضرب هذا المثل ؛ استماع تدبر وتفكر ، وهو :
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ
، وعن يعقوب : بياء الغيبة ، أي : إن الذين تدعونهم آلهة وتعبدونهم
مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً
أي : لن يقدروا على خلقه أبدا ، مع صغره وحقارته . و « لن » : لتأبيد النفي ، فتدل على استحالته ،
وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ
أي : الذباب . ومحله : نصب على الحال ، كأنه قال : لا يقدرون على خلقه مجتمعين له ، متعاونين عليه ، فكيف إذا كانوا منفردين ؟ ! وهذا أبلغ ما أنزل في تجهيل قريش ، حيث وصفوا بالألوهية - التي من شأنها الاقتدار على جميع المقدورات ، والإحاطة بكل المعلومات - صورا وتماثيل ، يستحيل منها أن تقدر على أضعف ما خلقه اللّه تعالى وأذله ، ولو اجتمعوا له .
وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً
من الطيب وغيره ،
لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ
أي : هذا الخلق الأرذل الأضعف ، لو اختطف منهم شيئا فاجتمعوا على أن يستخلصوه منه ، لم يقدروا ، وعن ابن عباس رضى اللّه عنه : أنهم كانوا يطلونها بالعسل والطيب ، ويغلقون عليها الأبواب ، فيدخل الذباب من الكوى « 1 » فيأكله ، فتعجز الأصنام عن أخذه .
ضَعُفَ الطَّالِبُ
: الصنم بطلب ما سلب منه ،
وَالْمَطْلُوبُ
: الذباب بما سلب . وهذا كالتسوية بينهم وبين الذباب في الضعف ، ولو حققت لوجدت الطالب أضعف وأضعف ؛ فإنّ الذباب حيوان والصنم جماد .
ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
: ما عرفوه حق معرفته ، حيث جعلوا هذا الصنم الضعيف شريكا له ،
إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
أي : قادر غالب ، فكيف يتجه أن يكون العاجز المغلوب شبيها له ! أو : لقوى ينصر أولياءه ، عزيز ينتقم من أعدائه . بعد أن ذكر تعالى أنهم لم يقدروا له قدرا ؛ حيث عبدوا معه من هو منسلخ من صفاته ، وسموه باسمه مع عجزه . ختم بصفتين منافيتين لصفات آلهتهم ؛ وهي القوة والغلبة . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : كل من تعلق في حوائجه بغير اللّه أو ركن بالمحبة إلى شئ سواه ، فقد أشرك مع اللّه أضعف شئ وأقله . فماذا يجدى تعلق العاجز بالعاجز ، والضعيف بالضعيف ، ضعف الطالب والمطلوب . فما قدر اللّه حق قدره من تعلق في أموره بغيره . قال الورتجبي : بيّن سبحانه - بعد ذكر عجز الخلق والخليقة - جلال قدره الذي لا يعرفه غيره ، بقوله : ( ما قدروا اللّه حق قدره ) ، قال : وهذه شكاية عن إشارة الخلق إليه بما هو غير موصوف به ، فذكر
هامش
( 1 ) الكوى : جمع كوّة ، ويجمع أيضا على كواء . وهي الخرق في الحائط . انظر : اللسان ( كوى 5 / 3964 ) . والخبر : ذكره البغوي في تفسيره ( 5 / 400 ) .