تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 545

مساهمون:

ص٥٤٥
الصلاة والسلام - عن الأنبياء ، فقال : « مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا ، قيل : فكم الرّسل منهم ؟ قال : ثلاثمائة وثلاثة عشر ، جمّا غفيرا » « 1 » .
إِلَّا إِذا تَمَنَّى
؛ هيأ في نفسه ما يهواه ؛ كهداية قومه ومقاربتهم له ،
أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ؛
في تشهيه ما يوجب حصول ما تمناه ، أو مقاربته ، كما ألقى في مسامع قريش ما يوجب مقاربتهم له - عليه الصلاة والسلام - ثم ينسخ اللّه ذلك . أو ( إذا تمنى ) : قرأ ، كما قال الشاعر :
تمنّى كتاب اللّه أوّل ليلة * تمنّى داود الزّبور على رسل
أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ
: في قراءته ، حين قرأ سورة النجم بعد قوله :
( وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى )
، تلك الغرانيق العلى ، كما تقدم . قال القشيري : كانت لنبينا صلى اللّه عليه وسلم سكتات ، في خلال قراءته عند قراءة القرآن ، عند انقضاء كل آية ، فتلفظ الشيطان ببعض الألفاظ ، فمن لم يكن له تحصيل توهم أنه من ألفاظ الرسول . ه . وقال ابن البنا : التمني هو التلاوة التي يتمنى فيها ، فيتلو النبي وهو يريد أن يفهم عنه معناها ، فيلقى الشيطان في فهوم السامعين غير المعنى المراد ، وما قال الزمخشري : قرأ تلك الغرانيق العلى ، على جهة السهو والغلط ، فباطل ، لقول اللّه العظيم :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
« 2 » ، فهو معصوم من السهو والغلط في تبليغ الوحي ه . قلت : فتحصل أنه - عليه الصلاة والسلام - لم ينطق بتلك الكلمات قط ، لا سهوا ولا عمدا ، وإنما ألقيت في مسامع الكفار ليحصل ما تمناه - عليه الصلاة والسلام - من المقاربة . ويدل على هذا أن من حضر من المسلمين لم يسمعوا من ذلك شيئا ، فإذا تقرر هذا علمت أن ما حكاه السلف الصالح من المفسرين وأهل السّير من أصل القصة في سبب نزول الآية صحيح ، لكنه يحتاج إلى نظر دقيق وتأويل قريب ، فلا تحسن المبادرة بالإنكار والرد عليهم ، وهم عدول ، لا سيما حبر هذه الأمة ، وإنما يحتاج اللبيب إلى التطبيق بين المنقول والمعقول ، فإن لم يمكن ، قدّم المنقول ، إن ثبتت صحته ، وحكم على العقل بالعجز . هذا مذهب المحققين من الصوفية - رضى اللّه عنهم - ونسبة الإلقاء إلى الشيطان أدب وتشريع ؛ إذ لا فاعل في الحقيقة سواه تعالى .
فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ
أي : يذهب به ويبطله ، أو يرشد إلى ما يزيحه ،
ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ
أي : يثبتها ويحفظها عن لحوق الزيادة من الشيطان ،
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
أي : عليم بما يوحى إلى نبيه ، حكيم في وحيه ، لا يدع الباطل يأتيه من بين يديه ولا من خلفه .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند ( 5 / 265 ) ، والطبراني في الكبير ( 8 / 259 ) ، عن أبي أمامة ، أن أبا ذر سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . . . الحديث ، وفيه : « وخمسة عشر » ، وأخرجه ، بلفظ المفسر ، ابن حبان في ( العلم ، باب السؤال للفائدة ، ح 94 موارد ) ، والبيهقي في السنن الكبرى ( 9 / 4 ) عن أبي ذر . ( 2 ) الآيتان : 3 - 4 في سورة النجم .