تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 542

مساهمون:

ص٥٤٢
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها
أي : كثيرا من أهل قرية كانوا ظالمين مثلكم ، قد أمهلتهم حينا وأمليت لهم ، كما أمليت لكم ، ثم أخذتهم بالعذاب والنكال بعد طول الإملاء والإمهال . والإملاء هو الإمهال مع إرادة المعاقبة .
وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ
أي : المرجع إلىّ ، فلا يفوتني شئ من أمر المستعجلين وغيرهم ، أو : إلى حكمي مرجع الكل ، لا إلى غيرى ، لا استقلالا ولا شركة ، فأفعل بهم ما يليق بأعمالهم . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : عمى القلوب هو انطماس البصيرة ، وعلامة انطماسها أمور : إرسال الجوارح في معاصي اللّه ، والانهماك في الغفلة عن اللّه ، والوقيعة في أولياء اللّه ، والاجتهاد في طلب الدنيا مع التقصير فيما طلبه منه اللّه . وفي الحكم : « اجتهادك فيما ضمن لك ، وتقصيرك فيما طلب منك ، دليل على انطماس البصيرة منك » . وعلامة فتحها أمور : المسارعة إلى طاعة اللّه ، واستعمال المجهود في معرفة اللّه ، بصحبة أولياء اللّه ، والإعراض عن الدنيا وأهلها ، والأنس باللّه ، والغيبة عن كل ما سواه . واعلم أن البصر والبصيرة متقابلان في أصل نشأتهما ، فالبصر لا يبصر إلا الأشياء الحسية الحادثة ، والبصيرة لا تبصر إلا المعاني القديمة الأزلية ، فإذا انطمست البصيرة كان العبد مفروقا عن اللّه ، لا يرى إلا الأكوان الظلمانية الحادثة . وفي ذلك يقول المجذوب رضى اللّه عنه :
من نظر الكون بالكون ؛ غرّه : في عمى البصيرة . * ومن نظر الكون بالمكون : صادق ، علاج السريرة
وإذا انفتحت البصيرة بالكلية استولى نورها على نور البصر ، فانعكس نور البصر إلى البصيرة ، فلا يرى العبد إلا أسرار المعاني الأزلية ، المفنية للأوانى الحادثة ، فيغيب عن رؤية الأكوان بشهود المكون . وعلاج انفتاحها يكون على يد طبيب ماهر عارف باللّه ، يقدحها له بمرود التوحيد ، فلا يزال يعالجها بإثمد توحيد الأفعال ، ثم توحيد الصفات ، ثم توحيد الذات ، حتى تنفتح . فتوحيد الأفعال والصفات يشهد قرب الحق من العبد ، وتوحيد الذات يشهد عدمه لوجود الحق ، وهو الذي أشار إليه في الحكم بقوله : « شعاع البصيرة يشهدك قرب الحق منك ، وعين البصيرة يشهدك عدمك لوجوده ، وحق البصيرة يشهدك وجود الحق ، لا عدمك ولا وجودك . كان اللّه ولا شئ معه ، وهو الآن على ما عليه كان » . فيرى حينئذ من أسرار الذات وأنوار الصفات ما لا يراه الناظرون ، ويشاهد ما لا يشاهده الجاهلون . وفي ذلك يقول الحلاج :
قلوب العارفين لها عيون * ترى ما لا يرى للنّاظرينا
وأجنحة تطير بغير ريش * إلى ملكوت ربّ العالمينا
وألسنة بأسرار تناجى * تغيب عن الكرام الكاتبينا