تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 546

مساهمون:

ص٥٤٦
ثم ذكر حكمة ذلك الإلقاء ، فقال :
لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً
أي : محنة وابتلاء
لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
: شك وشرك ،
وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ
؛ البعيدة من الخير ، الخاربة من النور ، واليابسة الصلبة ، لا رحمة فيها ولا شفقة ؛ وهم المشركون المكذبون ، فيزدادون به شكا وظلمة .
وَإِنَّ الظَّالِمِينَ
وهم الكفرة المتقدمة ، ووضع الظاهر موضع المضمر ؛ تسجيلا عليهم بالظلم ،
لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ
أي : عداوة شديدة ومخالفة تامة بعيدة عن الحق .
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
باللّه
أَنَّهُ
أي : القرآن
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
أي : النازل من عنده
فَيُؤْمِنُوا بِهِ
أي : بالقرآن
فَتُخْبِتَ
: تطمئن ، أو تخشع
لَهُ قُلُوبُهُمْ
بالانقياد إليه والإذعان لما فيه ،
وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
بالنظر الموصل إلى الحق الصريح ، فيتأولوا ما تشابه في الدين بالتأويلات الصحيحة ، ويطلبوا ، لما أشكل منه ، المحمل الذي تقتضيه الأصول المحكمة ، حتى لا يلحقهم حيرة ولا تعتريهم شبهة . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : إذا وقع التعبير من جانب الحق فكل واحد من المستمعين يسمع ما يليق بمقامه ويقويه فيه . فأهل الباطل يسمعون ما يليق بباطلهم ويمدهم فيه ، وأهل الحق يسمعون ما يليق بحقهم ويرقيهم ، فأهل الإيمان يسمعون ما يقوى إيمانهم ويزيدهم يقينا ، وأهل الوصول يسمعون ما يليق بمقامهم ويرقيهم فيه ، وهكذا . وتأمل قضية الثلاثة الذين سمعوا قائلا يقول : يا سعترا برى . فسمع أحدهم : اسع تر برى ، وسمع الآخر : الساعة ترى برى . . . وسمع الثالث : ما أوسع برى ، فالأول : طالب للوصول ، فقال له : اسع تر برى ، والثاني : سائر مستشرف على الوصول ، فقال له : الساعة ترى برى ، والثالث : وأصل قد اتسع عليه ميدان النعم ، فقال له : ما أوسع برى . وكل من قدم على الأولياء فإنما يسمع بحسب ما عنده ؛ فمن قدم عليهم بالميزان لا يسمع إلا ما يبعده ، ومن قدم بالتصديق والتعظيم لا يسمع ولا يرى إلا ما يقربه من الكمالات والأنوار . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر ضد الذين أوتوا العلم الذين تحققوا بحقية القرآن ، فقال :

[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 55 إلى 59 ]

وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ( 55 ) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 56 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 57 ) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 58 ) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ( 59 )