تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 539

مساهمون:

ص٥٣٩
عوائدهم وقصدوا مولاهم ، أنكروهم وأخرجوهم من أوطانهم ، ولولا دفع الناس بعضهم ببعض ؛ بأن شفع خيارهم في شرارهم ، لهدمت دعائم الوجود ؛ لأنّ من آذى وليا فقد آذن بالحرب . قال القشيري :
( وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ )
، أي : يتجاوز عن الأصاغر لقدر الأكابر ؛ استبقاء لمنازل العبادة ، تلك سنّة أجراها . ثم قال :
( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ )
، أي : لم يشتغلوا في ذلك بحظوظ ، ولكن قاموا لأداء حقوقنا . ه . ولمّا بشّر نبيّه - عليه الصلاة والسلام - مع المؤمنين ، بالدفع والنصر على سائر الملل ، سلّاه عن تكذيب قومه بقوله :

[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 42 إلى 45 ]

وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ ( 42 ) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ ( 43 ) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ( 44 ) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ( 45 ) يقول الحق جل جلاله :
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ
يا محمد ، أي : أهل مكة ، فلا تحزن ؛ فلست بأول من كذب ،
فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ
أي : قبل قومك
قَوْمُ نُوحٍ
نوحا ،
وَعادٌ
هودا ،
وَثَمُودُ
صالحا ،
وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ
إبراهيم ،
وَقَوْمُ لُوطٍ
لوطا ،
وَأَصْحابُ مَدْيَنَ
شعيبا ،
وَكُذِّبَ مُوسى
؛ كذّبه فرعون والقبط . ولم يقل : وقوم موسى ؛ لأن موسى ما كذبه قومه بنو إسرائيل ، وإنما كذبه القبط . أو : كأنه لمّا ذكر تكذيب كلّ قوم رسولهم ، قال : وكذّب موسى ، مع وضوح آياته وظهور معجزاته ، فما ظنك بغيره ؟
فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ
: أمهلتهم وأخرت عقوبتهم ،
ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ
: عاقبتهم على كفرهم ، أي : أخذت كل فريق من فرق المكذبين ، بعد انقضاء مدة إملائه وإمهاله ،
فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ
أي : إنكاري وتغييرى ؛ حيث أبدلتهم بالنعم نقما ، وبالحياة هلاكا ، وبالعمارة خرابا ، فكان ذلك في غاية ما يكون من الهول والفظاعة .
فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها
أي : كثيرا من القرى أهلكناها وخربناها بإهلاك أهلها ،
وَهِيَ ظالِمَةٌ
أي : والحال أنها ظالمة بالكفر والمعاصي ،
فَهِيَ خاوِيَةٌ
: ساقطة على
عُرُوشِها
، من خوى النجم : سقط . والمعنى أنها ساقطة على سقوفها ، أي : خربت سقوفها على الأرض ، ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف . ويجوز أن يكون « على عروشها » : خبرا بعد خبر ، أي : فهي خالية من السكان ، وهي على عروشها ، أي : قائمة مشرفة على السقوف الساقطة .
وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ
أي : وكم من بئر متروكة مهملة في البوادي والحواضر ، لا يستسقى منها ؛