تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 520

مساهمون:

ص٥٢٠
قال ابن جزى : وهذا القول أرجح من الأول ؛ لوجهين : أحدهما : أن هذا القول مناسب لمن يعبد اللّه على حرف ؛ لأنه ، إذا أصابته فتنة ، انقلب وقنط ، حتى ظنّ أن لن ينصره اللّه . ويؤيده من فسّر ( أن لن ينصره اللّه ) أي : لن يرزقه ؛ إذ لا خير في حياة تخلو من عون اللّه عز وجل ، فيكون الكلام ، على هذا ، متصلا بما قبله . ويؤيده أيضا : قوله تعالى ، قبله :
إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ
أي : الأمور بيد اللّه ، فلا ينبغي لأحد أن يسخط من قضاء اللّه ، ولا ينقلب إذا أصابته فتنة ، والوجه الثاني : أن الضمير في « ينصره » ، على هذا ، يعود على ما تقدّمه ذكر ، دون الأول . ه . وانظر ابن عطية والكواشي ، ففيهما ما يدفع درك ابن جزى ، ورده للأول ، بما في سبب الآية ونزولها من المناسبة . ثم قال تعالى :
وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ
أي : ومثل ذلك الإنزال البديع ، المنطوى على الحكم البالغة ، أنزلناه ، أي : القرآن الكريم كله ، حال كونه
آياتٍ بَيِّناتٍ
: واضحات الدلالة على معانيها الرائقة ،
وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي
به
مَنْ يُرِيدُ
هدايته ؛ ابتداء ، أو يثبته على الهدى دواما ، ومحل « أن » : إما الجار ، أي : ولأن اللّه يهدى ، أو الرفع ، أي : والأمر أن اللّه يهدى من يريد . الإشارة : من غلبته نفسه ، وملكته وأسرته في يدها ؛ فدواؤه : الفزع إلى اللّه ، والاضطرار إليه آناء الليل والنهار ، والمنهاج الواضح في علاجها وقهرها : هو الفزع إلى أولياء اللّه ، العارفين به ، الذين سلكوا طريق التربية على يد شيخ كامل ، فإذا ظفر بهم ، فليلزم صحبتهم ، وليتبع طريقهم ، وليسارع إلى فعل كل ما يشيرون به إليه ، من غير تردد ولا توقف ، فهم معناه ، شرعا ، أم لا ، فلا شك أن اللّه ينصره ويؤيده ، ويظفر بنفسه في أسرع مدة . وليس الخبر كالعيان ، وجرّب . . ففي التجريب علم الحقائق ، وكذلك من ابتلى بالوسواس وخواطر السوء في أمر التوحيد ، فليفزع إليهم ، حتى يقلعوا من قلبه عروق الشكوك والأوهام ، وتذهب عنه الأمراض والأسقام ، بإشراق شمس العرفان على قلبه ، ويفضى إلى طريق الذوق والوجدان ، وغير هذا عناء وتعب ، ولو فرض أنه يسكن عنه ذلك ، فلا يذهب عنه بالكلية ، فربما يهيج عليه في وقت الضعف عند الموت ، فلا يستطيع دفعه ، فيلقى اللّه بقلب سقيم . والعياذ باللّه . فإن قلت : هذا الذي دللتني عليه عزيز غريب ، فقد دللتني على عنقاء مغرب ؟ قلت : واللّه ، إن حسنت الظن باللّه وبعباد اللّه ، واضطررت إليه اضطرار الظمآن إلى الماء ، لوجدته أقرب إليك من كل شئ . واللّه ، لقد وجدناهم وظفرنا بهم ، على مناهج الجنيد وأضرابه ، يغنون بالنظر ، ويسيرون بالمريد حتى يقول له : ها أنت وربك . والمنة لله . فمن ترك ما قلنا له ، وآيس من الدواء ، وظن أن لن ينصره اللّه في الدنيا والآخرة ، فليمت غيظا وقنطا ، فلا يضر إلا نفسه ؛ لأن اللّه يهدى من يريد ، فيوفقه للدواء ، ومن يرد اللّه فتنته فلن تملك له من اللّه شيئا . وباللّه التوفيق . ثم ذكر مآل من آمن بالقرآن ، الذي هو آيات بينات ، ومآل من أعرض عنه ، فقال :

[ سورة الحج ( 22 ) : آية 17 ]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 17 )
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 520 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان