تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
الإشارة : ومن الناس من يعبد اللّه على حرف ؛ على طرف من الدين ، غير متمكن فيه ، فإنه أصابه خير ، وهو ما تسر به النفس من أنواع الجمال ، اطمأن به ، وإن أصابته فتنة ، وهو ما يؤلم النفس وينغص عليها مرادها وشهوتها من أنواع الجلال ، انقلب على وجهه . أو : ومن الناس من يعبد اللّه على طمع في الجزاء الدنيوي أو الأخروى ، فإن أصابه خير فرح واطمأن به ، وإن أصابته فتنة سخط وقنط وانقلب على وجهه . أو : ومن الناس من يعبد اللّه ويسير إليه على حرف ، أي : حالة واحدة ، فإن أصابه خير ؛ كقوة ونشاط وورود حال ؛ اطمأن به وفرح ، وإن أصابته فتنة ؛ كضعف وكسل وذهاب حال ، انقلب على وجهه ، ورجع إلى العمومية ، أو وقف عن السير ، خسر الدنيا والآخرة . خسران الدنيا : ما يفوته من عز اللّه ونصره لأوليائه ، وحلاوة برد الرضا والتسليم ، ولذيذ مشاهدته . وخسران الآخرة : ما يفوته من درجة المقربين ، ودوام شهود رب العالمين . فالواجب على العبد أن يكون عبدا لله في جميع الحالات ، لا يختار لنفسه حالا على حال ، ولا يقف مع مقام ولا حال ، بل يتبع رياح القضاء ، ويدور معها حيث دارت ، ويسير إلى اللّه في الضعف والقوة . قال بعضهم : سيروا إلى اللّه عرجى ومكاسير . وفي الحكم : « إلهي ؛ قد علمت ، باختلاف الآثار وتنقلات الأطوار ، أن مرادك منى أن تتعرف إلىّ في كل شئ ، حتى لا أجهلك في شئ » . وقال أيضا : « لا تطلبن بقاء الواردات ، بعد أن بسطت أنوارها ، وأودعت أسرارها ، فلك في اللّه غنى عن كل شئ ، وليس يغنيك عنه شئ » . فكن عبد المحوّل ، ولا تكن عبد الحال ، فالحال تحول وتتغير ، واللّه تعالى لا يحول ولا يزول ، فكن عبدا للّه ، ولا تكن عبدا لغيره .
لكلّ شئ ، إن فارقته ، عوض * وليس للّه ، إن فارقت من عوض
ثم شفع الحق تعالى بضد ما ذكره قبل ، فقال :

[ سورة الحج ( 22 ) : آية 14 ]

إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ( 14 ) يقول الحق جل جلاله :
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا
، وتمكنوا من الإيمان ، وعبدوا اللّه وحده في جميع الحالات ، ولم يعبدوه على حرف ،
وَعَمِلُوا
الأعمال
الصَّالِحاتِ
،
جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
أي : من تحت قصورها
الْأَنْهارُ
الأربعة . وهذا بيان حال المؤمنين العابدين له تعالى في جميع الحالات ، وأنّ اللّه تفضل عليهم ، بما لا غاية وراءه ، إثر بيان سوء حال الكفرة ، من المجاهرين والمذبذبين ، وأنّ معبودهم لا ينفعهم ،