تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 515

مساهمون:

ص٥١٥
ثم ذكر نوعا آخر من أهل الإنكار والجدل ، فقال :

[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 8 إلى 10 ]

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ( 8 ) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ ( 9 ) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 10 ) يقول الحق جل جلاله :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ
أي : في شأنه ، فيصفه بغير ما هو أهله ، وهو أبو جهل ، كما قال ابن عباس رضى اللّه عنه ، وقيل : هو من يتصدى لإضلال الناس ، كائنا من كان . حال كونه
بِغَيْرِ عِلْمٍ
، بل بجهل وهوىّ . والمراد بالعلم : الضروري ، كما أن المراد بالهدى في قوله :
وَلا هُدىً
: هو الاستدلال والنظر الصحيح ، الهادي إلى المعرفة .
وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ
أي : وحي يستند إليه ، والحجة إنما تقوم بأحد هذه الثلاثة ، أي : يجادل في شأنه تعالى ، من غير تمسك بمقدمة ضرورية ، ولا بحجة نظرية ، ولا ببرهان سمعي . حال كونه
ثانِيَ عِطْفِهِ
أي : لاويا عنقه عن طاعة اللّه ؛ كبرا وعتوا ، أو عاطفا بجانبه ، وطاويا كشحه « 1 » ، معرضا متكبرا ، فثنى العطف كناية عن التكبر . وقرأ الحسن بفتح العين ، أي : مانعا تعطفه على المساكين ؛ قسوة . فعل ذلك الجدال
لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
أي : ليضل الناس عن سبيل اللّه ؛ فإنّ غرضه بالمجادلة إضلال المؤمنين ، أو جميع الناس ، وقرأ الملكي وأبو عمر : بفتح الياء ، أي : ليصير ضالا عن سبيل اللّه . وجعل ضلاله غاية لجداله ، من حيث إن المراد به الضلال المبين ، الذي لا هداية بعده ، مع تمكنه منها قبل ذلك ، أي : ليرسخ في الضلالة أىّ رسوخ ،
لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ
: هوان وذل ، وهو القتل يوم بدر ، وهو بيان نتيجة ما سلكه من الطريقة ، أي : يثبت له ، بسبب ما فعل ، خزى وصغار ، وهو ما أصابه ببدر ،
وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ
أي : النار المحرقة .
ذلِكَ
أي : ما ذكر من العذاب الدنيوي والأخروى . وما في الإشارة من البعد ؛ للإيذان بكونه في الغاية القاصية من الهول والفظاعة ، أي : ذلك العذاب الهائل
بِما قَدَّمَتْ يَداكَ
أي : بسبب ما اقترفته من الكفر والمعاصي . وإسناده إلى يديه ؛ لأن الاكتساب في الغالب بهما . والالتفات ؛ لتأكيد الوعيد وتشديد التهديد . أو يقال له يوم القيامة :
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
، فلا يأخذ أحدا بغير ذنب ولا بذنب غيره . وهو خبر عن مضمر ، أي : والأمر أنّ اللّه ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب ، وأما عطفه على « بما » فغير سديد ، ولفظ المبالغة ؛ لاقترانه بلفظ الجمع في العبيد ، ولأن قليل الظلم منه ، مع علمه بقبحه واستغنائه عنه ، كالكثير منا . قاله النسفي .
هامش
( 1 ) الكشح : الخصر .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 515 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان