تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥
ثم ذكر قصة تحريقه وإنجائه ، فقال :

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 68 إلى 70 ]

قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 68 ) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ( 69 ) وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ ( 70 ) يقول الحق جل جلاله :
قالُوا حَرِّقُوهُ
أي : قال بعضهم لبعض ، لمّا عجزوا عن المحاججة ، وضاقت عليهم الحيل ، وعييت بهم العلل ، وهذا ديدن المبطل المحجوج ، إذا قرعت شبهه بالحجة القاطعة وافتضح ، لم يبق له حينئذ إلا المناصبة والمعاداة ، فناصبوا إبراهيم عليه السّلام ، وقالوا حرّقوه بالنار ؛ لأنه أشد العقوبات ،
وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ
بالانتقام لها
إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ
للنصر ، أي : إن كنتم ناصرين آلهتكم نصرا مؤزرا ، فاختاروا له أهول المعاقبات ، وهو الإحراق ، وإلّا فقد فرطتم في نصرتها ، والذي أشار بالإحراق نمرود ، أو رجل من أكراد فارس ، اسمه « هيزن » ، وقيل : « هدير » ، خسفت به الأرض ، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة « 1 » . روى أنهم ، لما أجمعوا على حرقه عليه السّلام ، بنوا له حظيرة بكوثى - قرية من قرى الأنباط بالعراق - فجمعوا صلاب الحطب من أصناف الخشب ، مدة أربعين يوما ، وقيل : شهرا ، حتى إن المرأة تنذر : لئن أصابت حاجتها لتحطبنّ في نار إبراهيم . ثم أوقدوا نارا عظيمة ، لا يكاد يحوم حولها أحد ، حتى إن كانت الطير لتمر بها ، وهي في أقصى الجو فتحترق من شدة وهجها ، ولم يقدر أحد أن يقربها ، فلم يعلموا كيف يلقونه عليه السّلام فيها ، فأتى إبليس وعلمهم علم المنجنيق ، فعملوه . وقيل : صنعه لهم رجل من الأكراد ، فخسف اللّه تعالى به في الأرض مثل الآخر ، ثم عمدوا إلى إبراهيم عليه السّلام ، فوضعوه فيه مغلولا مقيدا مجردا ، فصاحت السماء والأرض ومن فيها من الملائكة : يا ربنا ، إبراهيم ، ليس في الأرض أحد يعبدك غيره ، يحرق فيك ، فأذن لنا في نصرته ، فقال لهم : إن استغاث بواحد منكم فأغيثوه ، فرموا به فيها من مكان شاسع ، فقال له جبريل عليه السّلام ، وهو في الهواء : ألك حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا . قال : فسل ربك . فقال : حسبي من سؤالي علمه بحالي « 2 » ، فرفع همته عن الخلق ، واكتفى بالواحد الحق ، فجعل اللّه الخطيرة روضة . وهذا معنى قوله :
قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ
أي : كونى ذات برد وسلام ، أي : ابردى بردا غير ضار .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري ( 17 / 43 ) عن شعيب الجبائي . ( 2 ) انظر تفسير الطبري ( 17 / 44 ) والبغوي ( 5 / 327 ) وابن كثير ( 3 / 184 ) . والوارد في ابن كثير : « أما إليك : فلا ، وأما إلى اللّه ، فبلى » .