تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء أعلاه ، قائلين :
لَقَدْ عَلِمْتَ
يا إبراهيم
ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ
، فكيف تأمرنا بسؤالها ؟ .
قالَ
؛ مبكتا لهم وتوبيخا :
أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي : متجاوزين عبادته تعالى إلى
ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً
من النفع ،
وَلا يَضُرُّكُمْ
إن لم تعبدوه ، فإنّ العلم بالحالة المنافية للألوهية مما يوجب اجتناب عبادته ،
أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
، أفّ : اسم صوت تدل على التضجر ، تضجر عليه السّلام من إصرارهم على الباطل ، بعد انقطاع عذرهم ووضوح الحق ، فأفّف بهم وبأصنامهم ، أي : لكم ولأصناكم هذا التأفف ،
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
أن من هذا وصفه لا يستحق أن يكون إلها . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : من أراد أن يكون إبراهيميا حنيفيا فليكسر أصنام نفسه ، وهي ما كانت تهواه وتميل إليه من الحظوظ النفسانية والشهوات الجسمانية ، حتى تنقلب حقوقا ربانية ، فحينئذ يريه الحق ملكوت السماوات والأرض ، ويكون من الموقنين . وأمّ الشهوات : حب الدنيا ، ورأسها : حب الرئاسة والجاه ، وأكبر الأصنام : وجودك الحسى ، فلا حجاب أعظم منه ، ولذلك قيل : وجودك ذنب لا يقاس به ذنب فإن غبت عنه ، وكسرته ، غابت عنك جميع العوالم الحسية ، وشهدت أسرار المعاني القدسية ، فشهدت أسرار الذات وأنوار الصفات ، وإلى هذا المعنى أشار ابن العريف رضى اللّه عنه بقوله :
بدا لك سرّ طال عنك اكتتامه * ولاح صباح كنت أنت ظلامه
فأنت حجاب القلب عن سرّ غيبه * ولولاك لم يطبع عليه ختامه
فإن غبت عنه حلّ فيه ، وطنّبت * على موكب الكشف المصون خيامه
وجاء حديث لا يمل سماعه * شهىّ إلينا نثره ونظامه
إذا سمعته النّفس طاب نعيمها * وزال عن القلب المعنّى غرامه
فالغيبة عن وجود العبد فناء ، والرجوع إليه لوظائف العبودية بقاء ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
( إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ )
أي : إلا كبير الأصنام ، وهو وجودك الوهمي ، فلا ينبغي الغيبة عنه بالكلية حتى يترك وظائف العبودية والقيام بحقوق البشرية ، فإنّ هذا اصطلام ، بل ينبغي ملاحظته ، لعله يقع الرجوع إليه في مقام البقاء ، واللّه تعالى أعلم .