تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
إلى شيخ كامل يبينها ويسلّكها ، وهم في ذلك مقامات متفاوتة ، على حسب صدقهم وجدهم ، ومنهم من كان حظه قوت الأسرار ، وهم العارفون الكبار ، السابقون المقربون ، أهل الفناء والبقاء ، أهل الرسوخ والتمكين ، فهداهم إلى ما أمّلوا ، ووصلهم إلى ما طلبوا . نفعنا الله بهم ، وخرطنا في سلكهم . آمين . وقوله :
فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى . . .
الآية ، فيه زجر للمريد عن الاشتغال بالحكايات الماضية ، لأن في ذلك شغلا عن الله ، إلا ما كان فيه زيادة إلى الله ، فتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم . وقوله تعالى :
أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً
أي : جعل أرض النفوس مهادا للقيام برسم العبودية ، وسلك فيها سبلا توصل إلى مشاهدة الربوبية ، لمن سلكها بالرياضة والمجاهدة ، وأنزل من سماء الملكوت ماء الواردات الإلهية ، تحيا به الأرواح ، فتخرج أصنافا من العلوم والحكم شتى ، كلوا برعى القلوب في نوار تجلياتها ، وارعوا لقوت أشباحكم من ثمار حسياتها ، إن في ذلك لآيات لأولي النهى .
( مِنْها خَلَقْناكُمْ )
: من أرض نفوسكم أخرجناكم ، بشهود عظمة الربوبية ، وفيها نعيدكم ؛ للقيام برسم العبودية ، ومنها نخرجكم ؛ لتكونوا لله ، لا لشئ دونه . أو منها خلقناكم ، أي : أخرجناكم من شهود ظلمتها إلى نور خالقها ، بالفناء عنها ، وفيها نعيدكم بالرجوع إلى الأثر في مقام البقاء ، ( ومنها نخرجكم تارة أخرى ) ؛ بعقد الحرية في مقام البقاء ، فتكونوا عبيدا شكّرا . وبالله التوفيق . ثم إن فرعون لم تنفعه هذه الموعظة ، ولا ما رأى من الآيات الباهرة ، حتى طلب المعارضة ، كما أبان ذلك الحق سبحانه بقوله :

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 56 إلى 59 ]

وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى ( 56 ) قالَ أَ جِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى ( 57 ) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً ( 58 ) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ( 59 ) قلت :
( مَوْعِداً )
: مصدر ، مفعول أول ل
( فَاجْعَلْ )
. و
( مَكاناً )
: مفعول بفعل محذوف ، أي : تعدنا مكانا سوى ، لا بموعد ؛ لأنه وصف ، ويجوز نصبه على إسقاط الخافض ، و
( يَوْمُ الزِّينَةِ )
: على حذف مضاف ، أي : مكان يوم الزينة ، و
( أَنْ يُحْشَرَ )
: عطف على يوم ، أو الزينة . يقول الحق جل جلاله :
وَلَقَدْ أَرَيْناهُ
أي : فرعون ،
آياتِنا
، حين قال له :
فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ، فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ
« 1 » ، وعبّر بالجمع ، مع
هامش
( 1 ) الآيات : 31 - 33 من سورة الشعراء .