تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
ذلك من الظهور بحيث لا حاجة إلى التصريح به ، فقال لهما فرعون :
فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى
؟ لم يضف الرب إلى نفسه ؛ لغاية عتوه وطغيانه ، بل أضافه إليهما ، وفي الشعراء :
وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
« 1 » ، والجمع بينهما تعدد الدعوة ، ففي كل مرة حكى لنا ما قال . وتخصيص النداء بموسى ، مع توجيه الخطاب إليهما ؛ لأنه الأصل في الرسالة ، وهارون وزيره .
قالَ
موسى عليه السّلام مجيبا له :
رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ
أي : ربنا هو الذي أعطى كل شئ خلقه ، أي : مخلوقاته ؛ مما يحتاجون إليه ويرتفقون به في قوام أبدانهم ومعايشهم ، أو اعطى كل شئ خلقته وصورته التي يختص بها ، ولم يجعل خلق الإنسان في خلق البهائم ، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان . ولكن خلق كل شئ فقدره تقديرا . أو أعطى كل شئ فعله وتصرفه ، فاليد للبطش ، والرجل للمشي ، واللسان للنطق ، والعين للنظر ، والأذن للسمع ، أو أعطى كل شئ شكله من جنسه ، للإنسان زوجة ، وللبعير ناقة ، وللفرس رمكة ، وللحمار أتانا .
ثُمَّ هَدى
إلى طريق الانتفاع والارتقاء ، بما أعطاه وعرفه كيف يتوصل إلى بقائه وكماله ، فألهمه الرضاع والأكل والشرب والجماع ، وطلب الرعي وتوقى المهالك ، وكيف يأتي الذكر الأنثى . ولمّا كان الخلق - الذي هو عبارة عن تركيب الأجزاء وتسوية الأجسام - مقدما على الهداية ، التي هي عبارة عن إيداع القوى المحركة والمدركة في تلك الأجسام ، عطف بثم المفيدة للتراخى . ولقد ساق عليه السّلام جوابه على نمط رائق ، وأسلوب لائق ؛ حيث بيّن أنه تعالى عالم قادر بالذات ، خالق لجميع الكائنات ، منعم عليهم بجميع النعم السابغات ، هاد لهم إلى طرق المرتفقات .
قالَ
فرعون :
فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى
أي : ما حالها بعد الموت ، وما فعل الله بها ؟ فقال له موسى : هذا غيب لا يعلمه إلا الله ، وهو معنى قوله :
عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي
، أو ما حال القرون الماضية والأمم الخالية ، وماذا جرى عليهم من الحوادث المفصلة ؟ فأجابه عليه السّلام بأن العلم بأحوالهم مفصلة مما لا ملامسة له بمنصب الرسالة ، وإنما علمها عند الله عز وجل . وكأنّ عدو الله ، لما خاف أن يبهت ، ويفتضح ، ويظهر للناس حجة موسى عليه السّلام ، أراد أن يصرفه عليه السّلام إلى مالا يعنى ، من ذكر الحكايات التي لا مسيس لها بمنصب الرسالة ؛ فلذلك أعرض عنه ، و
قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي
، وهذا أحسن من الأول ؛ لأنه لو كان سؤاله عن أحوالها بعد الموت لأمكن أن يقول له : من اتبع الهدى منهم فقد سلم وتنعم ، ومن تولى فقد عذب وتألّم ، حسبما نطق به قوله تعالى :
وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى
. وقيل : فما بالها لم تبعث كما يزعم موسى ، أو : ما بالها لم تكن على دينك ، أو : ما بالها كذبت ولم يصبها عذاب ، وكلها بعيدة .
هامش
( 1 ) الآية 23 من سورة الشعراء .