تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
قلت : والذي يظهر أن الطاغية فهم قوله تعالى :
ثُمَّ هَدى
أي : إلى الإيمان ، فاعترض بقوله : فما بال القرون الأولى لم تؤمن حتى هلكت ؟ فأجابه موسى عليه السّلام بقوله :
عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي
، فهو أعلم بمن ضل عن سبيله ، وهو أعلم بمن اهتدى . وقوله :
فِي كِتابٍ
أي : اللوح المحفوظ ، فقد أثبتت فيه بتفاصيلها ، ويجوز أن يكون ذلك عبارة عن تمكنه وتقريره في علم الله - عز وجل - تمكن من استحفظ الشيء ، وقيده بالكتابة ، كما يلوح به قوله تعالى :
لا يَضِلُّ رَبِّي
أي : لا يخطئ ابتداء ،
وَلا يَنْسى
فيتذكر . وفيه تنبيه على أن كتابته في اللوح المحفوظ ليس لحاجته إليه في العلم به ابتداء أو بقاءا . وإظهار
( رَبِّي )
في موضع الإضمار ، للتلذذ بذكره ، وللإشعار بعلّية الحكم ؛ فإن الربوبية مما تقتضى عدم الضلال والنسيان . ولقد أجاب عليه السّلام عن السؤال بجواب عبقري بديع ، حيث كشف عن حقيقة الحق حجابها ، مع أنه لم يخرج عما كان بصدده من بيان شؤونه تعالى ، ووصف الحق تعالى بأوصاف لا يمكن عدو الله أن يتصف بشئ منها ، لا حقيقة ولا مجازا ، ولو قال له : هو الخالق الرازق ، وشبه ذلك ، لأمكن أن يغالط ويدعى ذلك لنفسه . ثم تخلص إليه ؛ حيث قال ، بطريق الحكاية عن الله عز وجل ، أو من كلامه عليه السّلام : الذي جعل لكم الأرض مهادا « 1 » أي : كالمهد تتمهدونها بالسكن والقرار ، أي : جعل كل موضع منها مهدا لكل واحد منكم .
وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا
أي : طرقا تتوصلون بها من قطر إلى قطر ، لتقضوا منها مآربكم ، وتنتفعوا بمرافقها ومنافعها ، ووسطها بين الجبال والأودية لتعرف أمارات سبلها .
وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
هو المطر ،
فَأَخْرَجْنا بِهِ
، يحتمل أن يكون من كلام الله ، وما قبله من كلام موسى ، أو كله من كلام الله تعالى ، حكاه موسى عليه السّلام ، وإنما التفت إلى التكلم ؛ للتنبيه على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة ، والإيذان بأنه لا يتأتى إلا من قادر مطاع عظيم الشأن ، أي : فأخرجنا بذلك الماء
أَزْواجاً
: أصنافا ، سميت أزواجا ؛ لازدواجها ، واقتران بعضها ببعض ، كائنة
مِنْ نَباتٍ شَتَّى
: متفرقة ، جمع شتيت : أي : متفرق ، وهو ، في الأصل ، مصدر ، يستوى فيه الواحد والجمع ، يعنى : أنها مختلفة في الشكل واللون والطعم والرائحة والنفع ، وبعضها صالح للناس على اختلاف صلاحها لهم ، وبعضها للبهائم . ومن تمام نعمته تعالى أن أرزاق عباده ، لمّا كان تحصيلها بعمل الأنعام ، جعل علفها مما يفضل عن حاجتهم ، ولا يليق بكونه طعاما لهم ، وهو معنى قوله :
كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ
، والجملة : حال ، على إرادة القول ، أي : أخرجنا منها أصناف النبات ، قائلين : كلوا وارعوا أنعامكم ، آذنين في ذلك لكم .
هامش
( 1 ) قرأ عاصم وحمزه والكسائي : ( مهدا ) . وقرأ باقي السبعة : « مهادا » : انظر الإتحاف ( 2 / 247 ) .