تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
قلت : « ويزيد » : عطف على « فليمدد » ؛ لأنه في معنى الخبر ، أي : من كان في الضلالة يمده اللّه فيها ، ويزيد في هداية الذين اهتدوا مددا لهدايتهم ، أو عطف على « فسيعلمون » ، وجمع الضمير في ( رأوا ) وما بعدها ؛ باعتبار معنى ( من ) ، وأفرد أولا باعتبار لفظها . يقول الحق جل جلاله :
قُلْ
يا محمد :
مَنْ كانَ
مستقرا
فِي الضَّلالَةِ
مغمورا في الجهل والغفلة عن عواقب الأمور ، مشتغلا بالحظوظ الفانية ،
فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا
أي : يمد له بطول العمر وتيسير الحظوظ ، إما استدراجا ، كما نطق به قوله تعالى :
إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً
« 1 » ، أو قطعا للمعاذير كما نطق به قوله تعالى :
أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ
« 2 » ، أو :
( فَلْيَمْدُدْ لَهُ )
: يدعه في ضلاله ، ويمهله في كفره وطغيانه ، كقوله تعالى :
وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
« 3 » . والتعرض لعنوان الرحمانية ؛ لبيان أن أفعالهم من مقتضيات الرحمة مع استحقاقهم تعجيل الهلاك . وكأنه جل جلاله لما بيّن عاقبة الأمم المهلكة ، مع ما كان لهم من التمتع بفنون الحظوظ العاجلة ، أمر رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يجيب هؤلاء المفتخرين بما لهم من الحظوظ بمآل أمر الفريقين ، وهو استدراج أهل الضلالة ثم أخذهم ، وزيادة هداية أهل الإيمان ثم إكرامهم ، كما بيّن ذلك بقوله :
حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ
، فهو غاية للحد الممتد ، أي : نمد لهم في الحياة وفنون الحظوظ حتى ينزل بهم ما يوعدون ؛
إِمَّا الْعَذابَ
الدنيوي بالقتل ، والأسر ، وغلبة أهل الإيمان عليهم ،
وَإِمَّا السَّاعَةَ
، وهو يوم القيامة وما ينالهم فيه من الخزي والهوان ، و « إما » هنا : لمنع الخلو ، لا لمنع الجمع ؛ فإن العذاب الأخروى لا ينفك عنهم بحال .
فَسَيَعْلَمُونَ
حينئذ
مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً
من الفريقين ، بأن يشاهدوا الأمر على عكس ما كانوا يقدّرون ، فيعلمون أنهم شر مكانا ، لا خير مقاما ،
وَ
يعلمون أنهم
أَضْعَفُ جُنْداً
أي : جماعة وأنصارا ، لا أحسن نديّا ، كما كانوا يدعونه ، وليس المراد أن لهم يوم القيامة جندا سيضعف ، وما كان له من فئة ينصرونه من دون اللّه ، وإنما ذكر ذلك ردا لما كانوا يزعمون أن لهم أعوانا وأنصارا ، يفتخرون بهم في الأندية والمحافل ، فردّ ذلك بأنه باطل وظل آفل ، ليس تحته طائل . ثم ذكر فريق أهل الإيمان فقال :
وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً
أي : كما يمد لأهل الضلالة ؛ زيادة في ضلالهم ، كذلك يزاد في هداية أهل الهداية ؛ ثوابا على طاعتهم ؛ لأن كلا يجزى بوصفه ، فلا تزال الهداية تنمو في
هامش
( 1 ) من الآية 178 من سورة آل عمران . ( 2 ) من الآية 37 من سورة فاطر . ( 3 ) من الآية 110 من سورة الأنعام .