تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
وقد تقدم أن من لاحساب عليهم - وهم المقربون - يمرون على الصراط ولا يحسون به ، وهم الذين يمرون عليه كالطير أو كالبرق ، جعلنا اللّه منهم بمنّه وكرمه ، وبجاه خير الخلق مولانا محمد نبيه وحبه ، آمين . ثم ذكر أحوال من سقط في جهنم ويبقى فيها جثيّا ، فقال :

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 73 إلى 74 ]

وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ( 73 ) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً ( 74 ) قلت : « هم أحسن » : صفة لكم . يقول الحق جل جلاله :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ
؛ على الكفرة
آياتُنا
الناعية عليهم فظاعة حالهم ووخامة مآلهم ، والناطقة بحسن عاقبة المؤمنين ، حال كونها
بَيِّناتٍ
: واضحات في نفسها ، أو بينات الإعجاز ، أو بينات المعاني ،
قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
أي : قالوا ، ووضع الموصول موضع الضمير ؛ للتنبيه على أنهم قالوا ما قالوا كافرين بما يتلى عليهم رادين له ، أو : قال الذين تمرّدوا في الكفر والعتو ؛ وهم النضر بن الحارث وأتباعه ، قالوا
لِلَّذِينَ آمَنُوا
، اللام للتبليغ ، أي : قالوا مبلغين الكلام لهم ، وقيل : لام الأجل ، كقوله تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ
« 1 » أي : لأجلهم وفي حقهم ، والأول أولى ؛ لأن الكلام هنا كان معهم بدليل قوله :
أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ
أي : المؤمنين والكفار ،
خَيْرٌ
كأنهم قالوا : أينا
خَيْرٌ مَقاماً
أي : مكانا : نحن أو أنتم ، وقرىء بالضم ، أي : موضع إقامة ومنزل ،
وَأَحْسَنُ نَدِيًّا
؛ مجلسا ومجتمعا ، أو : أينا خير منزلا ومسكنا ، وأحسن مجلسا ؟ . يروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنونها ، ويتزينون بالزينة الفاخرة ، ثم يقولون ذلك لفقراء المؤمنين ، يريدون بذلك أن خيريتهم ، حالا ، وأحسنيتهم ، مقالا ، مما لا يقبل الإنكار ، وأنّ ذلك لكرامتهم على اللّه سبحانه وزلفاهم عنده ، وأنّ الحال التي عليها المؤمنون ، من الضرورة والفاقة ورثاثة الحال ؛ لقصور حظهم عند اللّه . وما هذا القياس العقيم والرأي السقيم إلا لكونهم جهلة لا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا ، وذلك مبلغهم من العلم ، فردّ عليهم بقوله :
وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً
: مالا ومتاعا
وَرِءْياً
؛ منظرا ، أي : كثيرا من القرون التي كانوا أفضل منهم ، فيما يفتخرون به من الحظوظ الدنيوية ، كعاد وثمود وأضرابهم العاتية قبل هؤلاء ،
هامش
( 1 ) الآية 11 من سورة الأحقاف .