تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
أهلكناهم بفنون العذاب ، ولو كان ما آتيناهم لكرامتهم علينا ، لما فعلنا بهم ما فعلنا ، وفيه من التهديد والوعيد ما لا يخفى ، كأنه قيل : فلينتظر هؤلاء أيضا مثل ذلك . و « أثاثا » : تمييز ، وهو متاع البيت ، أو ما جد منه ، و « رءيا » : كذلك ، فعل من الرؤية بمعنى المنظر ، قال ابن عزيز : « رءيا » بهمزة ساكنة : ما رأيت عليه من شارة حسنة وهيئة ، وبغير همز : يجوز أن يكون على معنى الأول « 1 » ، ويجوز أن يكون من الرىّ . أي : منظرهم مرتو من النعمة . وزيّا ، بالزاي المعجمة ، في قراءة ابن عباس ، يعنى هيئة ومنظرا . ه . الإشارة : رفعة القدر والمقام لا تكون بالتظاهر بمفاخر اللباس والطعام ، ولا بحسن الهيئة ومنظر الأجسام ، وأنما يكون باحتظاء القلوب بمعرفة اللّه ، وتمكين اليقين من القلوب ، واطلاعها على أسرار الغيوب ، مع القيام بوظائف العبودية ، أدبا مع عظمة الربوبية ، ونسيان النفوس والاشتغال عنها بالعكوف في حضرة القدوس ، فأهل القلوب لا يعبأون بظواهر الأشباح ، وإنما يعتنون بحياة الأرواح .
كمل حقيقتك التي لم تكمل * والجسم دعه في الحضيض الأسفل
فقوت قلوبهم التواجد والأذكار ، وحياة أرواحهم العلوم والأسرار ، وأنشدوا :
بالقوت إحياء الجسوم ، وذكره * تحيا به الألباب والأرواح
هو عيشهم ووجودهم وحياتهم * حقا وروح نفوسهم والرّاح .
وأما من عظم جهله ، وكثف حجابه ، فإنما ينظر إلى بهجة الظواهر وتزيينها بأنواع المفاخر ، أو إلى من عظم جاهه وكثرت أتباعه ، وهذه نزعة جاهلية ، حيث قالوا حين يتلى عليهم الوعظ والتذكير : ( أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا ) ،
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ
« 2 » . وباللّه التوفيق . ثم ذكر الحق تعالى مدد الفريقين ؛ أهل الضلال وأهل الإيمان ، فقال :

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 75 إلى 76 ]

قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً ( 75 ) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا ( 76 )
هامش
( 1 ) أي : هو مهموز الأصل ، أي : منظرا ، من الرؤية ، سهلت همزته بإبدالها ياء ، ثم أدغمت الياء في الياء . ( 2 ) الآية 7 من سورة الروم .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 356 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان