تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
وذلك إذا قصد أن يقتدى به ، وكان مخلصا في عمله . وعنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « اتقوا الشرك الأصغر ، قالوا : وما الشرك الأصغر ؟ قال : الرياء » « 1 » . وقال صلى اللّه عليه وسلم - لما نزلت هذه الآية - : « إن أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي ، وإياكم وشرك السرائر ، فإنّ الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء » ، فشق ذلك على القوم ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ألا أدلكم على ما يذهب اللّه عنكم صغير الشرك وكبيره ؟ قالوا : بلى ، قال : قولوا : « اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم ، وأستغفرك من كل ما لا أعلم » . وعنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من قرأ آخر سورة الكهف - يعنى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا . . .
إلى آخره - كانت له نورا من قرنه إلى قدمه ، ومن قرأها كلّها كانت له نورا من الأرض إلى السّماء » « 2 » . وعنه صلى اللّه عليه وسلم : « من قرأ عند مضجعه :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ . . .
إلخ ، كان له من مضجعه نورا يتلألأ إلى مكّة ، حشو ذلك النّور ملائكة يصلّون حتّى يقوم ، وإن كان بمكة كان له نورا إلى البيت المعمور » . قلت : ومما جرّب أن من قرأ هذه الآية ؛
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا . . . )
إلخ ، ونوى أن يقوم في أي ساعة شاء ، فإن اللّه تعالى يوقظه بقدرته . وانظر الثعلبي . الإشارة : إن الذين آمنوا إيمان الخصوص ، وعملوا عمل الخصوص - وهو العمل الذي يقرب إلى الحضرة - كانت لهم جنة المعارف نزلا ، خالدين فيها لا يبغون عنها حولا ؛ لأنّ من تمكن من المعرفة لا يعزل عنها ، بفضل اللّه وكرمه ، كما قال القائل :
مذ تجمّعت ما خشيت افتراقا * فأنا اليوم وأصل مجموع
ثم يترقون في معاريج التوحيد ، وأسرار التفريد ، أبدا سرمدا ، لا نهاية ؛ لأن ترقيتهم بكلمة القدرة الأزلية ، وهي كلمة التكوين ، التي لا تنفد ؛
( قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي . . . )
الآية . هذا مع كون وصف البشرية لا يزول عنهم ، فلا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية . قل : إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلىّ وحي إلهام ، ويلقى في روعى أنما إلهكم إله واحد ، لا ثاني له في ذاته ولا في أفعاله ، فمن كان يرجو لقاء ربه في الدنيا لقاء الشهود والعيان ، ولقاء الوصول إلى صريح العرفان ؛ فليعمل عملا صالحا ، الذي لاحظ فيه للنفس ؛ عاجلا ولا آجلا ، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ، فلا يقصد بعبادته إلا تعظيم الربوبية ، والقيام بوظائف العبودية ، واللّه تعالى أعلم ، وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم « 3 » .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند ( 5 / 428 ) ، والبغوي في شرح السنة ( 14 / 324 ) . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند ( 3 / 439 ) ، وابن السنى في عمل اليوم والليلة ( باب ما يستحب أن يقرأ في اليوم والليلة ) من حديث معاذ . قال الحافظ ابن حجر : وفي إسناده ابن لهيعة . ( 3 ) في آخر نسخة د . حسن عباس : انتهى الجزء الثاني من تفسير القرآن المجيد ، للعلامة الأديب ، فريد عصره ، ووحيد دهره ، سيدي أحمد بن عجيبة الشريف ، غفر الله له ، ولكاتبه ، وللمسلمين أجمعين ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما . . أمين .